تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسد الغابة ( دار الفكر ) — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، فسأل قدامة فقال : يا رسول اللَّه ، بنت أخي ، ولم آل أختار لها فقال : ألحقها بهواها ، فإنّها أحق بنفسها ، فانتزعها منى ، وزوّجها المغيرة بن شعبة . واستعمل عمر بن الخطاب قدامة بن مظعون على البحرين ، فقدم الجارود العبديّ من البحرين على عمر بن الخطاب فقال : يا أمير المؤمنين ، إن قدامة شرب فسكر ، وإني رأيت حدّا من حدود اللَّه حقا عليّ أن أرفعه إليك . قال عمر : من شهد معك قال : أبو هريرة . فدعا أبا هريرة فقال : بم تشهد ؟ فقال : لم أره يشرب ، ولكني رأيته سكران يقيء . فقال عمر : لقد تنطّعت [ ( 1 ) ] في الشهادة . ثم كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين . فقدم ، فقال الجارود لعمر : أقم على هذا كتاب اللَّه . فقال عمر : أخصم أنت أم شهيد ؟ فقال : شهيد . قال : قد أديت شهادتك ! فسكت الجارود ، ثم غدا على عمر فقال : أقم على هذا حدّ اللَّه عز وجل . فقال عمر : لتمسكنّ لسانك أو لأسوءنك . فقال : يا عمر ، واللَّه ما ذلك بالحق ، يشرب ابن عمك الخمر وتسوءنى . فقال أبو هريرة : إن كنت تشك في شهادتنا ، فأرسل إلى ابنة الوليد - امرأة قدامة - فسلها . فأرسل عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها ، فأقامت الشهادة على زوجها ، فقال عمر لقدامة : إني حادّك . قال : لو شربت ، كما يقولون ، ما كان لكم أن تحدّوني . فقال عمر . لم ؟ قال قدامة : قال اللَّه عز وجل :
( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ )
[ ( 2 ) ] ، فقال عمر : أخطأت التأويل ، لو اتقيت اللَّه اجتنبت ما حرم اللَّه ، ثم أقبل عمر على الناس فقال : ما ترون في حدّ قدامة ؟ فقال القوم : لا نرى أن تجلده ما كان مريضا فسكت على ذلك أياما ثم أصبح يوما - وقد عزم على جلده ، فقال لأصحابه ما ترون في جلد قدامة ؟ فقالوا لا نرى أن تجلده ما كان مريضا . فقال عمر : لأن يلقى اللَّه تحت السّياط أحبّ إليّ من أن ألقاه وهو في عنقي ، ائتوني بسوط تام . فأمر عمر بقدامة فجلد ، فغاضب قدامة عمر وهجره ، فحج عمر وقدامة معه مغاضبا له ، فلما قفلا من حجهما ونزل عمر بالسّقيا [ ( 3 ) ] نام ، فلما استيقظ من نومه قال : عجّلوا عليّ بقدامة ، فو اللَّه لقد أتاني آت في منامي فقال : سالم قدامة ، فإنه أخوك ، فعجلوا عليّ به . فلما أتوه أبى أن يأتي ، فأمر به عمر إن أبى أن يجرّوه إليه ، فكلمه عمر ، واستغفر له ، فكان ذلك أوّل صلحهما [ ( 4 ) ] .
هامش
[ ( 1 ) ] تنطع في الكلام : غالى وتعمق . [ ( 2 ) ] سورة المائدة ، آية : 93 . [ ( 3 ) ] السقيا ، بضم السين ، وسكون القاف : - قرية جامعة من عمل الفرع بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلا . والفرع : قرية بينهما وبين المدينة ثمانية برد . [ ( 4 ) ] الأثر في الاستيعاب : 3 / 1277 - 1279 .