تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسد الغابة ( دار الفكر ) — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
قلت : نقلت هذا القول - من أن النضر له صحبة ، وشهد حنينا - من نسخ صحيحة ، أما كتاب ابن مندة فمن ثلاث نسخ مسموعة مصححة ، منها نسخة هي أصل أصبهان من عهد المصنف إلى الآن ، وذكراه فيمن اسمه النضر ، وبعده النضر بن سلمة الهذلي . وهذا وهم فاحش ، فإنّهما أولا جعلاه « الحارث بن كلدة بن علقمة » وإنما هو « علقمة بن كلدة » . ذكر ذلك الزبير ، وابن الكلبي ، وقالا : « النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار [ ( 1 ) ] ، وكذلك ساق نسبه أبو عمر في ترجمة أخيه النّضير على ما نذكره إن شاء اللَّه تعالى . والوهم الثاني انهما جعلا النضر له صحبة ، وهو غلط ، فإن النضر أسر يوم بدر ، وقتل كافرا ، قتله علي بن أبي طالب ، أمره رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم بذلك . أجمع أهل المغازي والسير على أنه قتل يوم بدر كافرا ، وإنما قتله لأنه كان شديدا على رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم والمسلمين . ولما قتل قالت أخته - وقيل : ابنته قتيلة - أبياتا أوّلها [ ( 2 ) ] :
يا راكبا ، إنّ الأثيل [ ( 3 ) ] مظنّة * من صبح خامسة ، وأنت موفّق
أبلغ به ميتا بأنّ تحيّة * ما إن تزال بها النجائب تعنق [ ( 4 ) ]
منّى إليه ، وعبرة مسفوحة * جادت لمائحها ، وأخرى تخنق [ ( 5 ) ]
فليسمعنّ النّضر إن ناديته * إن كان يسمع ميت لا ينطق [ ( 6 ) ]
ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه ، * للَّه أرحام هناك تشقّق ! [ ( 7 ) ]
قسرا يقاد إلى المنيّة متعبا * رسف المقيد ، وهو عان موثق [ ( 8 ) ]
هامش
[ ( 1 ) ] انظر كتاب نسب قريش لمصعب الزبيري : 255 ، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم : 126 . هذا وقد قال ابن هشام في السيرة 1 / 70 ، بعد قول ابن إسحاق : « النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة » ، قال ابن هشام : « ويقال : النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة » . [ ( 2 ) ] الأبيات في كتاب نسب قريش لمصعب الزبيري : 255 ، والبيان والتبيين للجاحظ : 4 / 44 ، وديوان الحماسة لأبى تمام : 1 / 289 ، 290 . [ ( 3 ) ] « الأثيل » - مصغرا - : عين ماء بين بدر ووادي الصفراء . « من صبح خامسة » أي في صبح ليلة خامسة ، تقول : يا راكبا ، إن الأثيل يظن أن نبلغه في صبح الليلة الخامسة ، وأنت موفق لإبلاغ رسالتي . [ ( 4 ) ] أي : تسرع ، وفي المراجع المتقدمة : « تخفق » . [ ( 5 ) ] « مسفوحة » : مصبوبة . والمائح : النازل في البئر ليملأ الدلو . والمعنى : إذا وصلت هذا المكان ، فبلغ ساكنيه تحية ، لا تزال الركائب تتحرك بها منى إليه ، وبلغه عبرة مصبوبة ، استنزفها من العين فقده ، وأخرى آخذة بالحلق . [ ( 6 ) ] يقول : على النضر أن يسمع نداءك ، إن كان الميت يسمع أو ينطق . [ ( 7 ) ] تنوشه : تتناوله . يقول : لم يقتله أحد غير بنى أبيه ، فعجبا من أرحام تتقطع هناك ؟ [ ( 8 ) ] رسف يرسف رسفا ورسيفا : مشى مشى المقيد . والعاني : الأسير .