تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسد الغابة ( دار الفكر ) — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
ربى فقلت : إنما أنا بشر ، أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ، فأيّما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة أن يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقرّبه بها يوم القيامة [ ( 1 ) ] » . ولم يزل واليا على ما كان أخوه يتولاه بالشام خلافة عمر ، فلما استخلف عثمان جمع له الشام جميعه . ولم يزل كذلك إلى أن قتل عثمان ، فانفرد بالشام ، ولم يبايع عليا ، وأظهر الطلب بدم عثمان ، فكان وقعة صفين بينه وبين على ، وهي مشهورة . وقد استقصينا ذلك في كتابنا « الكامل في التاريخ » . ثم لما قتل على واستخلف الحسن بن علي ، سار معاوية إلى العراق ، وسار إليه الحسن بن علي ، فلما رأى الحسن الفتنة وأن الأمر عظيم تراق فيه الدماء ، ورأى اختلاف أهل العراق ، سلّم الأمر إلى معاوية ، وعاد إلى المدينة ، وتسلم معاوية العراق ، وأتى الكوفة فبايعه الناس ، واجتمعوا عليه ، فسمى عام الجماعة . فبقي خليفة عشرين سنة ، وأميرا عشرين سنة ، لأنه ولى دمشق أربع سنين من خلافة عمر ، واثنتي عشرة سنة خلافة عثمان مع ما أضاف إليه من باقي الشام ، وأربع سنين تقريبا أيام خلافة على ، وستة أشهر خلافة الحسن . وسلم إليه الحسن الخلافة سنة إحدى وأربعين ، وقيل : سنة أربعين ، والأوّل أصح . وتوفى معاوية النّصف من رجب سنة ستين ، وهو ابن ثمان وسبعين سنة ، وقيل : ابن ست وثمانين سنة . وقيل : توفى يوم الخميس لثمان بقين من رجب سنة تسع وخمسين ، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة . والأصح في وفاته أنها سنة ستين . ولما مرض كان ابنه يزيد غائبا ، ولما حضره الموت أوصى أن يكفّن في قميص كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قد كساه إياه ، وأن يجعل مما يلي جسده . وكان عنده قلامة [ ( 2 ) ] أظفار رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم ، فأوصى أن تسحق وتجعل في عينيه وفمه ، وقال : افعلوا ذلك ، وخلّوا بيني وبين أرحم الراحمين » . ولما نزل به الموت قال : « ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى ، وأنى [ ( 3 ) ] لم أل من هذا الأمر شيئا » . ولما مات أخذ الضحاك بن قيس أكفانه ، وصعد المنبر وخطب الناس وقال : إن أمير المؤمنين
هامش
[ ( 1 ) ] مسلم ، كتاب البر ، باب « من لعنه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم . . . » : 8 / 26 ، 27 . [ ( 2 ) ] القلامة : ما قطع من الظفر . [ ( 3 ) ] ذو طوى : واد بمكة .
أسد الغابة ( دار الفكر ) — صفحة 435 | ابن الأثير