فهم ولا يدق في وهم « 1 » . مستشهدا من كتاب اللّه جل اسمه بما يقتضيه ومن سنن رسول اللّه صلوات اللّه عليه بما يضاهيه « 2 » ثم متبعا ذلك بأمثال الحكماء وآداب البلغاء وأقوال الشعراء لأن القلوب ترتاح إلى الفنون المختلفة وتسأم من الفن الواحد وقد قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه « 3 » : إن القلوب تمل « 4 » كما تمل الأبدان فأهدوا إليها طرائف الحكمة « 5 » فكأن هذا الأسلوب يحب التنقل في المطلوب من مكان إلى مكان وكان المأمون رحمه اللّه تعالى يتنقل كثيرا في داره من مكان إلى مكان وينشد قول أبي العتاهية رحمه اللّه :
لا يصلح النفس إذا كانت مدبرة « 6 » * إلا التنقّل من حال إلى حال
وجعلت ما تضمنه هذا الكتاب خمسة أبواب ( الباب الأوّل ) في فضل العقل وذم الهوى ( الباب الثاني ) في أدب العلم ( الباب الثالث ) في أدب الدين ( الباب الرابع ) في أدب الدنيا ( الباب الخامس ) في أدب النفس . وأنا أستمد من اللّه تعالى حسن معونته وأستودعه حفظ موهبته بحوله ومشيئته وهو حسبي من معين وحفيظ .
باب فضل العقل وذم الهوى
اعلم أن لكل فضيلة أسّا « 7 » ولكل أدب ينبوعا « 8 » . وأس الفضائل
هامش
( 1 ) لا يدق في وهم : لا يخفها ، والمراد أن كل مخاطب يفهمه .
( 2 ) يضاهيه : يشابهه في مدلوله .
( 3 ) علي بن أبي طالب : هو أمير المؤمنين ، أبو الحسن ، وكناه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبا تراب . روي له عن رسول اللّه 586 حديثا . وولّي الخلافة خمس سنين إلا شهرا قتل بالكوفة سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة . وصفه ابن عباس : فقال : هو قمر باهر في ضوئه وبهائه وأسد خاور في شجاعته ومضائه ، فرات زاخر في جوده وسخائه ، وربيع باكر في خصيه وحيائه ، رضي اللّه عنه .
( 4 ) تمل : تسأم ، وبابه علم .
( 5 ) طرائف الحكمة : نوادرها أو حسنها .
( 6 ) مدبرة : معرضة وكائبة .
( 7 ) أسأ : بضم الهمزة : هو أصل كل شيء ، كأصل البناء .
( 8 ) ينبوعا : عينا تتفجر الآداب منها ، كما تتفجر المياه من الينبوع .