الموت فخلفوا ما لهم لمن لا يحمدهم وصاروا لمن لا يعذرهم وقد خلقنا بعدهم فينبغي أن ننظر للذي كرهناه منهم فنجتنبه والذي غبطناهم به فنستعمله . ومرّ بعض الزهاد بباب ملك فقال : باب جديد وموت عتيد « 1 » ونزع شديد وسفر بعيد . ومرّ بعض الزهاد برجل قد اجتمع عليه الناس فقال : ما هذا قالوا : مسكين سرق منه رجل جبة ومر به آخر فأعطاه جبة فقال : صدق اللّه
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى
وقال بعض الحكماء : ما أنصف من نفسه من أيقن بالحشر والحساب وزهد في الأجر والثواب . وقال آخر : بطول الأمل تقسو القلوب وبإخلاص النية تقل الذنوب . وقال آخر : إياك والمنى فإنها من بضائع النوكى « 2 » وتثبط « 3 » عن الآخرة والأولى . وقال آخر : قصر أملك فإن العمر قصير وأحسن سيرتك فالبر يسير . وقال عبد اللّه بن المعتز رحمه اللّه :
نسير إلى الآجال في كل ساعة * وأيامنا تطوي وهنّ مراحل
ولم نر مثل الموت حقا كأنه * إذا ما تخطته الأماني باطل
وما أقبح التفريط في زمن الصبا * فكيف به والشيب في الرأس شامل
ترحل عن الدنيا بزاد من التقى * فعمرك أيام تعدّ قلائل
وكان عبد الملك بن مروان يتمثل بهذين البيتين :
فاعمل على مهل فإنك ميت * واكدح لنفسك أيها الإنسان
فكأن ما قد كان لم يك إذ مضى * وكأن ما هو كائن قد كانا ( فيه إقواء )
ونظر سليمان بن عبد الملك يوما في المرآة فقال : أنا الملك الشاب فقالت له جارية له :
أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للإنسان
ليس فيما بدا لنا منك عيب * كان في الناس غير أنك فاني
هامش
( 1 ) عتيد : حاضر .
( 2 ) النّوكي : جمع أنوك مثل أحمق لفظا ومعنى .
( 3 ) وتثبط : يقال ثبطه تثبيطا قعد به عن الأمر ، وشغله عنه تخذيلا .