تسلّ « 1 » . وقال بعض البلغاء : الأمل حجاب الأجل . وأنشد بعض أهل الأدب ما ذكر أنه لعلي رضي اللّه عنه :
فلو كنا إذ متنا تركنا * لكان الموت راحة كل حيّ
ولكنا إذا متنا بعثنا * ونسأل كلنا عن كل شيء
( وقال بعض الشعراء )
ألا إنما الدنيا مقيل لراكب * قضى وطرا من منزل ثم هجرا « 2 »
فراح ولا يدري علام قدومه * ألا كل ما قدّمت يبقى موفرا
وروى سعيد بن مسعود رضي اللّه عنه أن أبا الدرداء رضي اللّه عنه قال يا رسول اللّه : أوصني فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « اكسب طيبا واعمل صالحا واسأل اللّه تعالى رزق يوم بيوم وأعدد نفسك من الموتى » وكتب الربيع بن خيثم إلى أخ له : قدّم جهازك وافرغ من زادك وكن وصيّ نفسك والسلام . وقال بعض السلف : أصاب الدنيا من حذرها وأصابت الدنيا من أمنها . ومرّ محمد بن واسع رحمة اللّه عليه بقوم فقيل : هؤلاء زهاد فقال . ما قدر الدنيا حتى يحمد من زهد فيها ؟
وقال بعض الحكماء : السعيد من اعتبر بأمسه واستظهر لنفسه والشقي من جمع لغيره وبخل على نفسه . وقال بعض البلغاء : لا تبت من غير وصية وإن كنت من جسمك في صحة ومن عمرك في فسحة فإن الدهر خائن وكل ما هو كائن كائن . وقال بعض الشعراء :
من كان يعلم أن الموت مدركه * والقبر مسكنه والبعث مخرجه
وأنه بين جنات ستبهجه * يوم القيامة أو نار ستنضجه
فكل شيء سوى التقوى به سمج « 3 » * وما أقام عليه منه أسمجه
ترى الذي اتخذ الدنيا له وطنا * لم يدر أن المنايا سوف تزعجه
هامش
( 1 ) تسلّ : مضارع مجهول من السلول . أي تنزع .
( 2 ) هجّر : ارتحل في الهاجرة .
( 3 ) سمج : قبيح .