فيه ولا صنع ، باسم المن : فإنّه منّ بلا واسطة العبد .
وجعل سبحانه قوتهم بالتيه : الكماة ، وهي تقوم مقام الخبز . وجعل أدمهم :
السلوى ، وهو يقوم مقام اللحم . وجعل حلواهم : الطلّ الذي ينزل على الأشجار ، [ هو ] يقوم لهم مقام الحلوى . فكمل عيشهم . وتأمّل
قوله ( ص ) : « الكماة من المنّ الذي أنزل اللّه على بني إسرائيل »
، فجعلها من جملته وفردا من أفراده . والترنجبين - الذي يسقط على الأشجار - نوع من المن ، ثم غلب استعمال المن عليه عرفا حادثا .
والقول الثاني : أنّه شبه الكماة بالمنّ المنزّل من السماء ، لأنه يجمع من غير تعب ولا كلفة ، ولا زرع بزر ولا سقي .
فإن قلت : فإذا كان هذا شأن الكماة ، فما بال هذا الضرر فيها ؟ ومن أين أتاها ذلك .
فاعلم أنّ اللّه سبحانه أتقن كل شيء صنعه ، وأحسن كل شيء خلقه ، فهو - عند مبدأ خلقه - بريء من الآفات والعلل ، تامّ المنفعة لما هيّأ وخلق . وإنما تعرّض له الآفات - بعد ذلك - بأمور أخر : من مجاورة ، أو امتزاج واختلاط ، أو أسباب أخر تقتضي فساده . فلو ترك على خلقته الأصلية ، من غير تعلّق أسباب الفساد به ، لم يفسد .
ومن له معرفة بأحوال العالم ومبدئه ، يعرف أن جميع - في جوه ونباته وحيوانه ، وأحوال أهله - حادث بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثه . ولم تزل أعمال بني آدم ومخالفتهم للرسل تحدث لهم ، من الفساد العام والخاص ، ما يجلب - : من الآلام والأمراض والأسقام والطواعين والقحوط والجذوب ، وسلب بركات الأرض وثمارها ونباتها ، وسلب منافعها أو نقصانها - أمورا متتابعة يتلو بعضها بعضا .
قوله ( ع ) في الكماة : « وماؤها شفاء للعين »
، وفيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أن ماءها يخلط في الأدوية التي تعالج بها العين ، لا أنه يستعمل وحده . ذكره أبو عبيد .
الثاني : أنه يستعمل بحتا بعد شيّها ، واستقطار مائها . لأنّ النار تلطّفه وتنضجه ، وتذيب فضلاته ورطوبته المؤذية ، ويبقى النافع .
الثالث : أن المراد بمائها الماء الذي يحدث به : من المطر ، وهو أول قطر ينزل إلى الأرض . فتكون الإضافة إضافة اقتران ، لا إضافة جزء . ذكره ابن الجوزي . وهو أبعد
طب الإمام علي ( ع ) — صفحة 127
مساهمون: محسن عقيل
ص١٢٧