مواضع أخر ؛ فنقول : إن لفظ القوة يراد به في العرف العام المعنى الذي تصدر به عن الحيوان أفعال شاقّة ، ليست بكميتها أو بكيفيتها أكثرية الوجود عن ذلك الحيوان ؛ كما يقال لمن يحمل الأثقال إنه قوىّ ، وكأن هذا المعنى هو كمال القدرة ، ويقابله الضعف والعجز . وهذا المعنى يلزمه لوازم :
أحدها : أن القوى بهذا المعنى ليس ينفعل كثيرا ، فإن الذي ينفعل كثيرا يقال إنه ضعيف عاجز ، فلذلك يسمى كون الشئ لا ينفعل : قوة « 1 » ، ويقابله الوهن .
وثانيها : أن هذه القوى ، فيه لا محالة مبدأ ، به يغيّر حال غيره ، فلذلك يسمى مبدأ التغيير في الغير : قوة . . فلذلك تسمى الحرارة قوة ، لأنها تغيّر حال غيرها مما هو قابل للتسخين . وكذلك يسمى ما به يدرك الإنسان ، أو يهضم ، ونحو ذلك :
قوة . . لأن ذلك مبدأ لتغيير حال في الغير .
وثالثها : أن هذا القوىّ ، ليس من شرط إطلاق لفظ القوة عليه [ أن يكون مزاولا للأفعال الشاقة دائما ، أو في حال إطلاق لفظ القوة عليه ] « 2 » بل يقال إنه قوىّ بمعنى « 3 » أنه متمكن من تلك الأفعال ، فهو يفعلها متى شاء ، ويتركها متى شاء . . أي أن تلك الأفعال له ممكنة .
فلذلك ، سموا الإمكان بالقوة ؛ فإذا قالوا : حارّ بالقوة . فمعناه أنه حارّ بالإمكان .
وكذلك إذا قالوا : إن كذا غذاء بالقوة . . فمعناه أنه غذاء بالإمكان . وإنما يكون الشئ حارّا بالقوة ، أو باردا بالقوة إذا كان فيه مبدأ يظهر عنه في حال ما ، تلك الحرارة أو تلك البرودة . وذلك المبدأ هو صورته النوعية .
وتحقيق ذلك أن الصورة النوعية كما أنها إنما تحدث في المادة بعد استعدادها لها ، بسبب ما فيها من الحرارة أو البرودة أو الاعتدال ، ونحو ذلك من الكيفيات ، كذلك ، إذا حدثت هذه الصورة كانت سببا لحفظ تلك الكيفية التي بها كان استعداد
هامش
( 1 ) د : بقوة .
( 2 ) ما بين القوسين ساقط من ظ .
( 3 ) د : يعنى .