يحق لنا ، بل يجب علينا ، أن نتصور بدوي الصحراء هذا الذي أملت عليه بيئته أن يعتمد على نفسه في حله وترحاله - جيلا بعد جيل - أن نتصوره فارسا جاهزا للدفاع عن نفسه دائما ، فالبقاء للأقوى ، متقشفا حيث أن البيئة تبخل عليه بالطعام والشراب ، شاعرا يجد الوقت الكافي لان يحلم وان يفكر وفوق ذلك وقبل ذلك انسانا ذكيا .
لذلك تكلم وكتب الكثيرون عن ( ذكاء البدوي ) .
والصحراء هي التي شحذت هذا الذكاء وشذبته .
فالبدوي مضطر إلى التنقل أطراف الليل وآناء النهار . فهو ملزم بالاعتماد على معرفة حركات الكواكب ليضبط الوقت ، ويستدل بها على الاتجاه .
وهو وحيد في الطريق غالبا ، أو مع كوكبة قليلة العدد من رفاقه وعليه ان يعتمد على نفسه في اعمال الاسعاف الطبي والجراحي .
وهو مضطر إلى التعرف على الخصائص الغذائية والدوائية لاعشاب الصحراء ، التي كثيرا ما كان ملزما عليه أن يتعامل معها .
وهو قبل هذا كله - بسبب توحده - ملزم أيضا باتخاذ القرارات السريعة والحاسمة التي لا تعرف التردد ، فالحياة في الصحراء لا تتحمل ترددا ولا ضعفا .
ان هذا التأثير من البيئة على ذهن سكان الصحراء وعلى سلوكهم ، كوّن عقلية خاصة بهم ، عقلية تجيد الملاحظة ، والمشاهدة ، وتعرف كيف تخزن المعلومات ، عقلية من حقها أن تنعت بأنها أجادت قسطا من المراقبة العلمية ، ونجم عن أسلوب الحياة هذا إضافة إلى ذلك شيوع وانتشار للمعرفة بين معظم الناس ، واحترام للعقل والفكر .
تاريخ أطباء العيون العرب — صفحة 25
مساهمون: نشأت الحمارنة
ص٢٥