للأصلح ، فان البقاء هنا عسكريا كان للأقوى ، وحضاريا ، كان للحضارة الاعرق .
وإذا كان التطور التاريخي قد أدى إلى انتصار العنصر العربي ، فسميت الحضارة باسمه في بلاد ما بين النهرين ، منذ العهد الاكادي ، فان هذا التطور لم يسمح بانتصار العنصر العربي ، الآتي من الجزيرة إلى وادي النيل ، بل ظل العنصر « المصري القديم » هو العنصر المسيطر ، وان أصبحت لغة المصريين القدماء متأثرة أشد التأثر بلغات جزيرة العرب . ففي دراسة لهذه اللغة ، مع مقارنة لها بلغات الأقوام العربية ( السامية ) ظهر ان هذا التأثير ظل يزداد قرنا بعد قرن . . . مشيرا ليس فقط إلى صلة المصريين القدماء بالشام والعراق ، بل مشيرا أيضا إلى تسرب هؤلاء البدو من الجزيرة إلى وادي النيل الغنيّ المتحضر المستقر .
اما في بلاد الشام فان العنصر العربي سيطر أيضا منذ اقدم العصور ، وظهرت حضارة الكنعانيين والأراميين المتطورة في بلاد الشام ، والمتصلة ببلاد النهرين من جهة وبوادي النيل من جهة أخرى ، وببادية العرب من الجهة الثالثة .
وظلت هذه الظاهرة الاجتماعية مستمرة عبر القرون .
وإذا كانت الدراسات اللغوية المقارنة تكشف لنا بعض المفاجآت ، فان احدى هذه الدراسات أظهرت شبها عجيبا بين لغات جزيرة العرب الجنوبية ، وبين لغات سكان بلاد القبائل في شمال إفريقيا ، مشيرة إلى أن ظاهرة انتقال السكان البدو من قلب الجزيرة باتجاه سيناء ومصر ، قد استمرت باتجاه شمال إفريقيا ، اما لان هؤلاء البدو آثروا العيش في صحاري شمال إفريقيا والتي تشبه في مناخها بلادهم ، أو لأنهم اجبروا على الحركة غربا .
تاريخ أطباء العيون العرب — صفحة 22
مساهمون: نشأت الحمارنة
ص٢٢