وكان أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة يحضر مجلس « الرشيد » وفيه العناء ، فيجعل مكان السرور بكاء كأنّه يتذكّر نعيم الآخرة .
وقد تحنّ القلوب والأرواح إلى حسن الصوت ، حتّى الطّير والبهائم .
وقيل : النّحل والإبل أطرب الحيوان إلى الغناء لأنّهما يجتمعان بصفير الغناء .
قال أفلاطون : من حزن واغتم فليسمع الأصوات الحسنة ، فإن النفس إذا حزنت حمدت نارها ، فإذا سمعت ما يطربها ويسرّها اشتعل منها ما خمد - والصيادون يصيدون الفيل والغزال بالسّماع وآلات الطرب ، إذ الملاهي تلهيها عن رعيها فقسهو عن الرعى والهرب حتّى تؤخذ وتصاد ، وكذلك السّماكون بالنواحى بصطادون السمك بأصوات شجيّة ، وكذلك يصيدون كثيرا من الطيور لما في الغناء من الجذبة السارية الشاغلة .
واختلف العلماء قديما وحديثا في الغناء ، فأجازه عامّة أهل الحجاز ، وكرهه عامة أهل العراق ، ولكل مقاصد ومحامل حسنة ، كاختلافهم في الأشعار ، حسنها حسن وقبيحها قبيح بحسب المقاصد والمجالس وأهاليها من أرباب الأحوال وأهل الأهواء ، كما ذكره الغزالىّ والنووي بتفصيله في كتبهما ، كلّ وفق ما يسّر له ، وللّه في خلقه شؤون .
وعن أبي هريرة رضى اللّه عنه : « لأهل الجنة سمّاع من شجرة أصلها من دهب ، وثمرها اللؤلؤ والزبرجد ، يبعث اللّه ريحا فتحرك بعضها بصوت ما سمع أحدا صوتا أحسن منه » . ذكره الإمام الثعلبىّ في تفسيره .
وقال مالك بن دينار « 1 » : بلغنا في الخبر أن اللّه تبارك وتعالى يقيم « داود عليه السلام » يوم القيامة عند ساق العرش فيقول : يا داود مجدنى اليوم بذلك الصوت الرخيم . وقيل في الخبر : إنّ داود عليه السلام كان يخرج
هامش
( 1 ) ملك بن دينار أحد معلمي الغناء بالمدينة .