سينا متأثرا بالفارابي . فقد بين الفارابي في كتابه « المدينة الفاضلة » أن وجود الموجودات عن الأول أمر ضروري لا محيد عنه . قال « ومتى وجد للأول الوجود الذي له ، لزم بالضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات ، وأن وجود الأشياء عنه إنما هو من فيض وجوده » .
فالأول ( أي الإله ) يفيض إذن ( كما قال الفارابي ) فيضا ضروريا ، إلا أن هذا الفيض ليس لغاية ، لأن الخالق لم يوجد لأجل غيره ، بل أن ما يعطيه هو كرم منه ، فالخالق يعطي الوجود لغيره من غير أن يستفيد شيئا ، وأن هذا الفيض لا ينقص من كماله « 10 » .
فالإله عقل محض ، والوجود يفيض عنه عقولا . فالعقل الأول يفيض مباشرة عن الله وهو أكثر العقول جمالا ، وأقواها ابداعا ، وأشدها حبا ، لأنه أقرب العقول من الله . والعقل الثاني يفيض عن العقل الأول ، وهكذا كلما ابتعدت العقول عن المبدأ الأول ضعف كمالها ونقص خيرها ، إلا أنها تشترك كلها في قوة الإبداع « 11 » .
ولكل من هذه العقول سماء يعقلها بدءا من الفلك الأقصى ثم فلك النجوم الثوابت ثم أفلاك الكواكب ، وهكذا إلى أن ينتهي الفيض إلى العقل العاشر الذي يعقل فلك القمر .
وبالنسبة لحركة الأفلاك ، فإن لكل عقل نفسا يحرك بها الفلك الذي يخصه . وأما العقل العاشر فيسميه ابن سينا « العقل الفعال » وهو العقل المدبر لعالم الكون والفساد . « 12 »
وقد سمى اخوان الصفا هذا العقل الفعال بالعقل الكلي ، والنفس المتعلقة به النفس الكلية حينما ذكروا في رسائلهم ما يلي :
« ابتدأ الخالق بالعالم الروحاني ، ثم فاض عنه العقل الكلي ، ثم فاض عن العقل
هامش
( 10 ) انظر كتاب « من أفلاطون إلى ابن سينا » للدكتور جميل صليبا ، منشورات دار الأندلس طبعة ثانية / 1981 ص / 95
( 11 ) المصدر نفسه ص / 94 .
( 12 ) المصدر نفسه ص / 89 .