عمّا يخالطها ، ويقرّب مزاجها من ملاءمة البدن « 1 »
إنّ اتّساع الأفق في البادية وتفرّق المساكن واشتداد الحرّ في النهار ثمّ هبوط تلك الحرارة في الليل مع الجفاف البالغ ، بخلاف حال المدن المكتظّة بالسكّان والمحجوبة في أكثر أجزائها من نور الشمس وتخلّل الرياح مع الرطوبة ، وهكذا تكون الأمراض في البادية أقلّ عددا وخطرا من الأمراض في بقيّة المناطق ، كما يتابع ابن خلدون : ( وأمّا أهويتهم فقليلة العفن لقلّة الرطوبات والعفونات ، إن كانوا آهلين أو لاختلاف الأهوية إن كانوا ظواعن ، ثمّ إنّ الرياضة فيهم لكثرة الحركة في ركض الخيل أو الصيد أو طلب الحاجات لمهنة أنفسهم في حاجاتهم ، فيحسن بذلك كله الهضم أو يجود ويفقد إدخال الطعام على الطعام ، فتكون أمزجتهم أصلح وأبعد من الأمراض ، فتقلّ حاجتهم إلى الطبّ ) « 2 » .
المداواة في العصر الجاهلي :
كان الأطباء الجاهليون يداوون بما لهم من الذكاء ومن الاختبار من غير رجوع إلى قواعد ثابتة أو علم منظّم ، كما أفادوا من خبرتهم بعقاقير بلادهم ، وكان أكثرها مستمدّا من النبات ، وتؤخذ شرابا ، وأطلق العرب في الجاهلية على الأطبّاء لفظ ( الحكماء ) كونهم يجمعون بين العلم والتجربة والنفوذ .
أمّا دستور الطب في الجاهلية فنستطيع أن نتبيّنه في محاورة الطبيب المخضرم « الحارث بن كلدة الثقفي » حين وفد على ملك
هامش
( 1 ) المصدر السابق - ص 386 .
( 2 ) المصدر السابق - ص 386 .