وينبغي أن يكون الغذاء في أوائل الأمراض كلها أغلظ ، لأن الأعراض « 1 » تكون حينئذ أسكن ، فيتمكن من زيادة التقوية ، ولأن في ذلك مراعاة العادة التي كانت في الصحة ، ثم ينقص من غلظه قليلا كلما قرب منته المرض ، وينقصه في وقت المنته أيضا بالنسبة إلى ما كان قبله .
قوله « 2 » : « وينبغي أن تمنع من الغذاء في وقت منته المرض ، فإن الزيادة فيه مضرة » . الإشكال « 3 » عليه من وجهين ، أحدهما أن الغذاء في وقت المنته ينبغي « 4 » أن لا يمنع بالكلية ، بل أن يقلل . . ولذلك « 5 » فإنه قال قبل هذا « وإذا بلغ المرض منتهاه ، فعند ذلك يجب ضرورة أن يستعمل فيه التدبير الذي هو في الغاية القصوى من اللطافة » . ثانيهما ، أن قوله « فإن الزيادة فيه مضرة » إنما يقتضي منع الزيادة ، لا منع الغذاء جملة .
( الجواب ) « 6 » حمل هذا على معنيين ، يندفع بكل واحد منهما الإشكال . . أحدهما أن يكون المراد : قد ينبغي من الغذاء في وقت منته المرض ، وذلك لأن المنته - وإن جاز فيه الغذاء ، ولكن في بعض أوقاته لا تجوز « 7 » التغذية البتة . وذلك عندما تكون الطبيعة في مجاهدة البحران « * » ، وحينئذ يكون الضمير في قوله « فيه مضرة » عائدا إلى المرض . كأنه يقول « فإن الزيادة في المرض حينئذ مضرة » والغذاء حينئذ يزيد في المرض « 8 » ، وهذا إن كان في سائر الأوقات كذلك ، إلا أن المضرة - بزيادة المرض - حينئذ أشد ، لأن تلك الزيادة تكون حينئذ كالنجدة ، للمرض الذي هو كالعدو الباغي على الطبيعة . . وثانيهما أن يكون المراد : وينبغي أن تمنع من الغذاء الزائد في وقت منته المرض ، فإن الزيادة في الغذاء حينئذ مضرة ، وهذا وإن كان في سائر الأوقات مضرّا ، إلا أن « 9 » الضرر حينئذ يكون أشد .
هامش
( 1 ) ت : الأمراض .
( 2 ) في د ( بحبر أحمر ) قال أبقراط .
( 3 ) د : الشرح .
( 4 ) د ، ك : ليس ينبغي .
( 5 ) د ، ك : كذلك .
( 6 ) مكتوبة بخط سميك في ت ، ك .
( 7 ) ك : لا تجوز فيه .
( * ) البحرانCrisisهو التغير الذي يحدث فجأة من الأمراض الحمية الحادة ، ويصحبه عرق غزير وانخفاض سريع في الحرارة ( معجم المصطلحات ص 55 ) ويقول ابن منظور : والأطباء يسمون التغير الذي يحدث للعليل دفعة في الأمراض الحادة « بحرانا » يقولون : هذا يوم بحران - بالإضافة - ويوم باحوريّ - على غير قياس - فكأنه منسوب إلى باحور وباحوراء ، وهو شدة الحر في تموز ( لسان العرب 1 / 166 ) .
( 8 ) ت : بعض المرض .
( 9 ) د : لأن .