للبناء « 1 » لأن الأساس يبنى أولا ثم يبنى عليه باقي أجزاء البناء ، وكذلك هذا العظم في البدن .
ولقائل أن يقول : إنكم قد « 2 » بينتم أولا أن العظام كلها كالأساس والدعامة ، فلم جعلتم ذلك هاهنا خاصا بهذا الصنف منها ؟
قلنا : الذي اختص به هذا الصنف أنه كالأساس والدعامة لجميع البدن ، وأما سائر العظام ، فإنما هي كذلك للأعضاء التي تكون فيها .
وثانيها : أن من « 3 » العظام ما قياسه من البدن قياس المجن والوقاية كعظام « 4 » اليافوخ ، وسبب ذلك أن الدماغ احتيج أن يكون موضعه في أعلى البدن لما نذكره بعد . وجوهره شديد اللين ، فيكون شديد القبول للتضرر بما « 5 » يلاقيه ، ولو بأدنى ضغط فاحتيج أن يكون مصونا عن ملاقاة ما يصل إليه من جميع الجهات ، وإنما يمكن ذلك بأن يحوط من جميع النواحي . ولا يمكن أن يكون ذلك بعضو لين ، وإلا لم يكن له غنى فلا بد وأن يكون بعضو صلب يشتمل عليه من كل جهة ، وذلك هو عظام الرأس .
فيكون الغرض الأقصى في خلقة هذه العظام هو أن تكون كالجنة للدماغ . وهذه المنفعة « 6 » ليست بالذات للبدن كله ، ولا كذلك منفعة الصلب ( « [ ( إذ هي منفعة بالذات للبدن كله كما بان عن أنها أساس للبدن بجملته ) ] » ) وهذه العظام للدماغ كالأضلاع للقلب .
ولقائل أن يقول : ما السبب في خلقة هذه العظام متصلة لا فرج بينها بخلاف الأضلاع مع أن القلب أشرف ، فكان ينبغي أن تكون جنته أشد صونا قلنا : السبب في ذلك أمران :
أحدهما أن الأضلاع موضوعة حيث ينالها الحس ، ولا كذلك الرأس فإنه غائب عن حراسة الحواس ، فاحتيج أن يكون الاحتياط في توقيته أكثر .
وثانيهما : أن الصدر احتيج فيه إلى حركة انبساط وانقباض بإرادة ليست طبيعية كما بيّناه . وإنما يتم ذلك بخلقة العضل . ويحتاج أن تكون هذه العضلات كبيرة جدا وكثيرة « 7 » لأن هذه الحركة عسرة ، فلو جعلت عظام الصدر متصلة ببعضها البعض « 8 » لاحتيج إلى خلقة تلك العضلات فوقها ، وكان يلزم ذلك زيادة الثقل والثخن ، فاحتيج أن يكون بين عظامه فرج يتخللها العضل .
( / ( « [ واعلم أن لتخلل العضلات بين الأضلاع منفعة أخرى وهي تحلل البخارات ] » ) / ) وثالث الأقسام الخمسة المذكورة : أن من العظام ما قياسه من البدن قياس
هامش
( 1 ) أب م : ساقطة .
( 2 ) أد : ساقطة .
( 3 ) د : بعضا .
( 4 ) د : بعظام .
( 5 ) م : لما .
( 6 ) ح : منفعة .
( 7 ) د : ساقطة .
( 8 ) ب : ببعض .