المنفعة الأولى : أن الوقاية المحيطة بآلات التنفس وأعالي « 1 » آلات الغذاء لو جعلت عظما واحدا لا نقلب « 2 » ، وذلك لأنها لو كانت عظما واحدا لم يمكن أن يكون رقيقا جدا ، وإلا كان متهيئا للانكسار بأدنى سبب فلا بد ، وأن يكون غليظا ، ويلزم ذلك أن يكون ثقيلا .
ولقائل أن يقول : إن هذه الثقل يلزم سواء كانت عظما واحدا أو عظاما كثيرة متصلا بعضها ببعض . فلو كان ذلك محذورا لوجب أن لا يخلق الرأس « 3 » من عظام متصلة بل من عظام كالأضلاع منفرج بعضها من بعض بل فعل « 4 » ذلك في الرأس أولى لأن جعل الثقيل في الأعالي أسوأ « 5 » من جعله فيما دون ذلك غاية ما في الباب أن يقال أنه : لو لم تجعل عظام الرأس متصلة لكانت الوقاية تقل .
فنقول : وفي الصدر كذلك أيضا بل وجوب زيادة الوقاية هاهنا أولى لأن القلب أشرف كثيرا من الدماغ فيكون بوجوب الاعتناء به أكثر .
المنفعة الثانية : إن هذه الوقاية لو كانت عظما واحدا لكان يكون مستعدا لسريان ما يعرض لجزء منه من الآفات كالكسر والصدع والعفونة ، وذلك لا محالة ردئ فجعلت من عظام كثيرة .
ولقائل إن يقول : أن سريان الآفات من جزء العظم الواحد إلى باقي أجزائه أهون كثيرا من « 6 » وصول الآفات كالرماح والنشاب وغيرها من الأشياء الحادة النفّاذة إلى القلب والرئة من الخلل الذي بين الأضلاع وإذا كان كذلك كانت خلقة الصدر من عظم واحد أقل مضرة من خلقته من أضلاع على هذه الهيئة .
المنفعة الثالثة : إن هذه الوقاية لو خلقت عظما واحدا لما أمكن أن تتسع تارة وتضيق تارة أخرى ، والصدر يحتاج إليه في « 7 » ذلك فإنه يحتاج إلى أن ينبسط عند ازدياد الحاجة إلى الترويح على ما في الطبع وكذلك عند امتلاء المعدة وغيرها من الأحشاء غذاء أو نفخا ، فإن ذلك يزاحم الحجاب وغيره من آلات التنفس فيحتاج لذلك إلى اتساع الصدر ليتسع لمقدار « 8 » الهواء الكافي .
المنفعة الرابعة : انها لو خلقت عظما واحدا لم يكن فيه فرج يتخللها عضل الصدر المعينة في آلات « 9 » التنفس وما يتصل به كالصوت وبيان ذلك أن التنفس قد دّللنا فيما سلف على وجه الاضطرار إليه وهو إنما يتم بحركة الرئة ، والحجاب انبساطا وانقباضا لينجذب الهواء عند الانبساط لاستحالة الخلاء ، ويندفع فضول الروح ، وما يسخن من ذلك الهواء . فبطلت فائدته عند الانقباض ( وحركة الانقباض ) والانبساط .
) ) ) قد بيّنا أنها لا تكون طبيعية بل ولا بد وأن تكون إرادية ( ( ( وكل حركة إرادية ، فقد بيّنا فيما سلف
هامش
( 1 ) د : وأعالي البدن
( 2 ) ح د ن ب م : لا نقلبت
( 3 ) أ : الناس
( 4 ) ح : جعل
( 5 ) ح ن ب : أشق م : الأعلى أشق
( 6 ) د : ساقطة
( 7 ) ب : فيه إلى ذلك لأنه
( 8 ) د : بمقدار
( 9 ) أح ا : أفعال