والذين يغتذون بلحوم الإبل هم حقودون . . وعلة ذلك ظاهرة ، وهي أن دوام الاغتذاء ، لا بد وأن يحيل البدن إلى كيفية ذلك الغذاء . . ثم يورد إشارة ذكية إلى أن الإنسان الذي لا يعمل ذهنه وفكره ، يتبلّد ! يقول : ولما كان لحم هذا الحيوان يبلّد الذهن فينبغي للمستكثر منه أن يتدارك تبليده بالأشياء الملطّفة . . وأن يكثر من الفكر ورياضة ذهنه ، لئلا يضعف ويتبلّد !
وهكذا يقرّر العلاء ( ابن النفيس ) منذ وقته المبكر ، حقيقة طالما أكّدتها الدراسات المعاصرة ، مفادها أن الإنسان يتأثر بدنه وخلقه بما يأكله . . ومع ذلك ، فإن ثمة تناقضا يبرز عند مقارنة ما قرره العلاء هنا ، وما أكّده في جزء سابق عند كلامه في كتاب الخاء عن الخنزير الذي اعتبره شديد الصلاحية للغذاء الإنسانى ، دونما انتباه إلى أن في الخنزير من الأخلاق الردئية ، ما من شأنه أن ينتقل - بحسب قوله هو - إلى أخلاق آكله !
ومما يتصل بمنهجيات الفكر العلمي في الشامل ما يظهر في هذا الجزء من كثرة الاعتماد على برهان الخلف وهو ما رصدناه في مقدمات الأجزاء السابقة ونضيف إليه هنا ما وجدناه في عدة مواضع ، منها ما ورد أثناء كلام العلاء في الفصل الأول من مقالة الصمغ حيث يقول : ولو لم تكن فيه مائيّة لما كان يسهل اشتعاله . . فلذلك ، لا بد وأن يكون في جوهر الصمغ مائيّة يسيرة ؛ ولا بد وأن يكون فيه أرضيّة ، فإنه لولا هذه الأرضيّة ، لكان جمدا .
وسوف يلاحظ المتأمل في عبارات العلاء ( ابن النفيس ) الواردة في هذا الجزء من الشامل ، استمرار تعلّقه بمبدأ الغائية الذي يرى أن لكل موجود طبيعي هدفا وغاية خلق لأجلها . . كما يلاحظ أيضا ، تمسّكه بالمنهج التعليمي الذي يلجؤه كثيرا إلى استعمال طريقة السؤال - من سائل مفترض - والجواب التفصيلي على السؤال الذي من شأنه أن يثار . . وهو ما يظهر أيضا في الأجزاء السابقة واللاحقة ، من الشامل .
وقد وردت بضعة إشارات بين ثنايا هذا الجزء ، تدل على نظام تأليف الشامل . . فمن ذلك ما جاء في الفصل الثالث من مقالة الصبر حيث يقول العلاء : وذلك ستعرفه عند كلامنا في التشريح . .
وهو ما يؤكّد أن العلاء لم يضع كتابه بحسب الترتيب الموضوعي الذي سار عليه أطباؤنا القدامى - ومنهم العلاء - إذ أن الكلام في التشريح يتقدّم عادة الكلام في المفردات . ولو كان مؤلفنا قد أنجز أجزاء التشريح قبل ذلك ، لكان إشارته إليه تأتى بصيغة : كما عرفته من كلامنا في التشريح . . أو :
لما قلناه في التشريح . . إلخ .
وهناك إشارة وردت في مقالة الضأن نصّها : ومزاج لحم الإنسان قريب من الاعتدال الحقيقي ، كما بيّنّاه في كلامنا في الأعضاء . فهل يقصد العلاء بذلك رسالته في الأعضاء التي سبق
الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 959
مساهمون: ابن النفيس
ص٩٥٩