يشتمل هذا الجزء الثامن عشر من هذه النشرة المحققة لموسوعة الشامل للعلامة علاء الدين علي بن أبى الحرم القرشي ( ابن النفيس ) على كتابي : الصاد الضاد . . وهما بحسب تقسيم المؤلف :
الكتاب الرابع عشر ( والخامس عشر ) من الجزء الثاني من الفن الثالث من كتاب الشامل في الصناعة الطبية .
ويأتي النصّ المحقق لهذين الكتابين ، بعد المقابلة بين مخطوطتين للشامل سبق الاعتماد عليهما في الأجزاء السابقة ، وهما مخطوطة المكتبة الأحمدية بحلب المحفوظة اليوم بمكتبة الأسد بدمشق ( ونرمز لها في هوامشنا بحرف : ح ) ومخطوطة مكتبة بودليان المحفوظة بجامعة أكسفورد بأنجلترا ، وهي أقل جودة وأحدث عهدا من مخطوطة الأحمدية . . وربما تكون قد نسخت منها ( ونرمز لها في الهوامش بحرف : ن ) وقد أوردنا بعد الخاتمة نماذج من المخطوطتين .
وقد استوقفتنا أثناء التحقيق ، عدة مواضع تجدر الإشارة لها ولفت الأنظار إليها ، ولا بد للباحثين من العكوف عندها لتلمّس طريقة العلاء ( ابن النفيس ) في التأليف ، وتحديد ملامح المنهج العلمي عنده ، واكتشاف المزيد من عطاء هذا العالم العربي المسلم التاريخ العلم الإنسانى . . فمن ذلك :
على خلاف ما درج عليه الأطباء والعشّابون الآخرون من الاقتصار في مؤلفاتهم على ذكر خواص وأفعال المفردات الطبية والصيدلانية ، يحرص العلاء دوما على توشية كلامه بتقرير القوانين العلمية وتعليل أفعال وخواص المفردات . وقد رأينا كثيرا من الدلائل على ذلك في الأجزاء السابقة ؛ وفي الجزء الذي بين أيدينا ، سنرى المزيد من ذلك . . فعند كلام العلاء عن طبيعة الصبر وأفعاله على الإطلاق - الفصل الثاني من مقالة الصبر - نراه يعلل سهولة تفتّت الصبر ، لقلة مائيّته ؛ فيصوغ للعصارات قانونا ملخّصه : العصارات كلها كثيرة المائيّة ، فإذا انعقدت قلّت مائيّتها ، وإن جمدت تحجّرت ، وإن تجفّفت استحالت مائيّتها أرضيّة لذهاب الرطوبة منها ، ومن ثمّ يسرع انفراكها وتفتّتها . . إلخ .
وهذه القاعدة السابقة ، لا تنطبق على الصبر وحده ، بل هي تصحّ فيه وفيه غيره من المفردات . .
فهي بمثابة قانون عام من القوانين التي يحرص العلاء ( ابن النفيس ) على تقريرها بين ثنايا كلامه ، كلما سنحت لذلك فرصة .
وقد يتطاول هذا المنحنى المنهجي عند العلاء ، ليصل إلى مدى أبعد ، حين ينطلق من ملاحظة عابرة إلى تقرير هذه القوانين العامة . . مثاله ما نجده في كلامه عن الضأن حيث يلاحظ أن المأكول من اللحوم له تأثير على الأخلاق ! يقول : الذين يغتذون بالحمر الأهلية ، هم شديد والبلادة ،
الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 958
مساهمون: ابن النفيس
ص٩٥٨