تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 658

مساهمون:

ص٦٥٨
إذا كانت أمزجتها مباينة ، مخالفة لمزاج البدن ؛ ويلزم ذلك أن تكون طعومها كالمباينة والمنافرة . وأما الأغذية ، فإنما تكون أجود وأفضل ، إذا كانت أمزجتها مقاربة لمزاج الإنسان ، حتى تكون سهلة الاستحالة إلى مشابهة أعضائه . . والطعم الكريه ينفر عن تناول حامله ، وذلك ينافي المقصود من خلقته غذاء ، ولا كذلك الدواء ؛ فإنه يتناول كثيرا وإن كان طعمه كريها ، طلبا لمنفعته ؛ فلذلك ، كراهة طعمه لا تنافى المقصود من خلقته . ويتجلّى في العبارات الأخيرة . مبدأ غائيّة الوجود وهو أحد المبادئ الأولى ( الفلسفية ) التي كانت تحكم عقلية العلاء . وتوجّه فكره العلمي . . ليس هو فقط . بل وغيره كثيرون من العلماء العرب والمسلمين . كما يظهر شغف العلاء بتقرير القواعد العامة ، في آخر الفصل الأول من مقالة السوسن حيث يختم إشارته إلى أن زهرة السوسن شديدة اللطافة لأنها تتكوّن من أبخرة دخانية ، بقوله : وكذلك نقول في كل زهر . . وهو الأمر الذي نراه أيضا في بداية خاتمة كتاب السين حيث يتوقف العلاء عند نبات الساذج حيث يقرر أن الأفضل من هذا النبات . هو ما كانت رائحته جيدة ؛ فكل ما رائحته ردئية : فهو ردئ . وتظهر مقدرة العلامة علاء الدين ( ابن النفيس ) على التعليل العلمي ، عند مقارنة ما كتبه بمثيله عند كبار الأطباء والعشابين . . فمن ذلك ما نراه - مثلا - عند ابن البيطار الذي اكتفى في كتابه الجامع بالإشارة إلى أن السمك الأسود والأخضر : ردئ . . دونما بيان لأسباب رداءة هذه الأنواع . وفي المقابل نقرأ عند العلاء : ولا بد أن يكون السمك الفاضل جيد اللون ، حسنه ، وعلى ما هو المعتاد من اللون ؛ فما تغيّر لونه من السمك إلى خضرة أو سواد أو صفرة ونحو ذلك فهو لا محالة ردئ اللحم . لأن هذا التغيّر ، إنما يعرض له بحدوث مرضى أو فساد غذاء ونحو ذلك ، وجميع ذلك مما يفسد اللحم . وكذلك الحال في جميع لحوم الحيوانات . ولا يفوت العلاء بين ثنايا عباراته ، أن يسجل ملاحظاته المستقاة من الواقع ويربط بينها وبين الموضوع الذي يتناوله . فهو على سبيل المثال ، يشير إلى أن كثرة تناول السمك تضرّ بالعيون ! ثم يقول : والسمك من أسباب كثرة أمراض العيون بأرض مصر . . كما لا يفوته أن يسجل تجاربه في ميدان المعالجات ، وهو ما يظهر في مناسبات كثيرة ، منها قوله : وغرى السمك نافع من نفث الدم جدّا ، وقد جرّبته . وما من شكّ في أن هذه الإلماحات ، إنما هي محض إشارات دالة على ما يحتويه هذا