تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
نصّ العلاء تأكيده ضرورة التواصل العلمي والمواصلة المعرفية . . حتى أنه يطمح إلى تدوين المزيد ، بعد كل مادوّنه في الشامل . وهذا لعمري عجيب . ولا تخلو صفحات الشامل من طرائف ومشاهدات ، تتصل على نحو ما بالموضوع المبحوث ، ولكنها في الآن ذاته تمثّل معرفة مستقلة ، أو إشارة إلى واقعة اجتماعية - ربما سكتت عنها المصادر التاريخية - أو حادثة شخصية لا تخلو من دلالة . . فمن ذلك ما نراه في خاتمة كتاب الراء حيث يتحدّث العلاء عن الرخام فيقول ما نصه : ويقال إنّ الرخام الذي يكون في المقابر ، يكتب فيه تواريخ الموتى ونحو ذلك ، إذا سحق . . إلخ . وهي عبارة دالة على أنّ المسلمين في القرن السابع الهجري ، عرفوا شواهد القبور . وهي مسألة كان يعتقد أنها أوروبية المنشأ والانتشار . ومن طرائف ما نجده في هذا الجزء من الشامل في معرض كلام العلاء عن السمك الرعاد تلك الحكاية التي يروى فيها أنّ صديقا له ، احتال على أحد الزّهاد حتى سلب منه قلنسوة كانت تشفى الصداع ! ولما فحصها العلاء وجد بطانتها من جلد هذا النوع من السمك . . وقد أشار إليه أنه جرّب هذا الجلد بمفرده ، فلم يكن له تأثير القلنسوة . يقول : ثم إني أخذت جلد سمكة من هذا النوع ( الرعاد ) وجفّفته ، ثم إني وضعته على رأس إنسان به صداع ، فلم يكن له تأثير . ومن هنا ، رجّح أن يكون الجلد المبطّن للقلنسوة ، يشفى الصداع : لشرط غير معلوم ، أو لطابع مخصوص فيه ، أو يبخّر بشئ . . إلخ . وأخيرا ، تجب الإشارة إلى أنّ مقالة الرئة احتوت في بدايتها على تأكيدات أخرى لاكتشاف علاء الدين ( ابن النفيس ) للدورة الدمويّة . فقد أشار هناك إلى وظيفة الرّئة ، وطبيعة العلاقة بينها وبين القلب ، ودورها في تعديل الأجزاء الدموية بالهواء المستنشق . . إلخ ، مما تنتفى معه أية تشكيكات في اكتشاف العلاء ( ابن النفيس ) للدورة الدمويّة ، وهو اكتشاف ذكرنا في بحوثنا السابقة ، أنه لا يمثّل إلا ورقة واحدة في ملف إبداعات هذا الرجل واكتشافاته العلميّة وتطويره - وهذا هو الأهم - لمنهج البحث العلمي القائم على دعائم راسخة من العقلانيّة والتجريبيّة والموضوعيّة . واللّه ولىّ التوفيق . د . يوسف زيدان