تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
لمكانة السابقين على العلاء ، وبما يقتضيه الحال والسّياق ، دون تهويل في تخطئة الرأي الآخر المنقود ، أو مبالغة في الاعتراض عليه . وعلى صعيد الأسلوبية وطريقة التأليف ، من السهل أن نلمح تدفّق عبارات العلاء ( ابن النفيس ) بين السطور ، وأن نلمس هذه الحيويّة الأسلوبية التي أشرنا إليها في مقدمتنا السابقة ، والتي تتأكّد في هذا الجزء أيضا . وربما كان إحساس العلاء بالقارئ الحىّ ، هو الذي يحفّز أسلوبه ويكسوه هذه الحيوية ، فهو لا يزال بين الفقرات يحاور قارئه المفترض بشكل مباشر وغير مباشر ، وكأنه يحادث قارئا متواريا خلف جدار القرون . فمن حديثه ( غير المباشر ) للقارئ ، ما نراه دوما من تعبيرات : ولقائل أن يقول . . إلخ . ثم يورد ما من شأنه أن يعترض به عليه ، ويتلوه بقوله : وجوابه . ويأخذ في تفنيد هذه الاعتراضات . ويظهر الحوار ( المباشر ) مع القارئ في مواضع أخرى ، كقوله في بداية الفصول والمقالات : إنك قد عرفت . . وكقوله في مقالة الرصاص ما نصه : ولون الرصاص كما ترون ، لون مظلم درن كمد . وهنا يدلّ قوله ( كما ترون ) على شعوره بالمتلقّى ، وإحساسه بالقارئ ؛ وهي سمة لا تظهر كثيرا في نصوص التراث العلمي العربي . وكما أشرنا في مقدّمة الجزء الثاني عشر ، فإنّ العلاء ( ابن النفيس ) يتحوّل في بعض المواضع من الشامل عن المباحث الطّبية والصيدلانيّة ، ويخوض في مباحث الكيمياء ! وهو ما يتأكّد في هذا الجزء عند كلامه عن الرصاص حيث أفاض في بيان عمليّة تسييله وتفاعلاته مع الزئبق والكبريت ، وكأننا في هذا الموضع بصدد بحث كيميائىّ . . غير أنّ الملاحظ في مثل تلك المواضع ، أنّ العلاء إنما يستوفى بها الكلام عن طبيعة هذا المعدن أو ذاك ، تمهيدا لاستكشاف خصائصه وأفعاله في البدن ، وما كان يهدف إلى البحث الكيميائى الخالص ، بل هو - فيما يبدو من نصوصه - كان مؤمنا بمبدأ - كان يسمّيه تعاون العلوم ونسمّيه اليوم : تداخل العلوم
Interdisplanry
. والعجيب من أمر العلاء ذلك الطموح الذي أشرنا إليه غير مرة في مقدّماتنا السابقة ؛ أعنى طموحه العلمي للإحاطة التامة ، وثقته في امتداد البحث العلمي إلى ما لا نهاية . . ومن هنا لا نرى في نصوصه ما يوحى باكتمالها ونهائيتها ، بل على العكس من ذلك ، تظهر عباراته وتعبيراته اعتقاده في الامتداد اللانهائى للبحث العلمي ، ولذا نراه - على سبيل المثال - يسهب في مقالة الرّمان عن الكلام في العلاقة التبادلية بين حلاوة الطعم ، والمائية ، والحموضة ، والحرارة ؛ ثم يتلو ذلك بقوله : وفي هذا بحث طويل ، لا بد وأن نعود إليه في موضع آخر إن شاء اللّه ! وهكذا يظهر من
الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 139 | ابن النفيس