[ مقدمة المحقق ]
امتدادا وتواصلا مع مسيرتنا لتحقيق الشامل يأتي هذا الجزء الثالث عشر من نشرتنا هذه ، جامعا بين كتاب الراء والمقالات الأربع الأول من كتاب الزاي . . ولسوف يتلوه ، بإذن اللّه ، الجزء الرابع عشر المستوفى كتاب ( الزاي ) الذي يقع كاملا في تسع عشرة مقالة .
ولن نتوقّف هنا للكلام عن المخطوطات الثلاث التي اعتمدنا عليها في التحقيق ، إذ إنّ حالها لم يتغيّر عما كان عليه - وأشرنا إليه - في مقدّمة الجزء السابق . . ولذا سنكتفى بإيراد نماذج منها عقيب هذه المقدمة ، وهي نماذج تكشف عن طبيعة وحالة كلّ مخطوطة .
غير أنه لا بد من التوقّف حينا ، للإشارة إلى الملاحظات التي بدت لنا في أثناء تحقيق هذا الجزء الذي بين أيدينا ، والتي تجدر الإشارة إليها باعتبارها بابا لاستكشاف النص ، وطريقا لاستبصار طريقة العلامة علاء الدين ( ابن النفيس ) في التأليف . . فمن ذلك :
سار العلاء على دربه السابق ؛ من حيث الالتزام بالموضوعية العلمية ، وعدم المجازفة في تقرير القوانين والمبادئ العلمية . وهو ما يتجلّى بشكل عام بين ثنايا مقالاته ، ويظهر على نحو واضح في مواضع بعينها ، مثل بداية الفصل الأول من المقالة الأولى من حرف الراء وهي التي خصّصها العلاء للكلام عن الراوند وماهيته ؛ ففي هذا الموضع نراه يصحّح آراء الأطباء وما اشتهر من أقوالهم ، مثل تقريرهم أنّ الراوند حارّ بالنسبة إلى بدن الإنسان ، وشديد البرد بالقياس إلى بدن الفرس ! فنراه يشير إلى أنه لا ينفى الأفعال المتضادة للدّواء الواحد - بقول مطلق - ولكنه في هذه الحالة بالذات ، يؤكّد أنّ الراوند المبرّد للخيل إنما هو أصول الريباس وهو نوع آخر من الراوند غير النوع الحارّ لبدن الإنسان . . ثم يذكر هو نوعا ثالثا ، عاينه وجرّبه بنفسه ، فوجد اتفاقا بينه وبين الراوند الحارّ لبدن الإنسان . يقول العلاء : وقد استعملته في كثير من الأمراض ، فوجدته لا يخالف في أفعاله أفعال هذا الراوند ، لكنه أخفّ من هذا قليلا . . وإلى الآن ، لم يتضح لي تغايرهما بالحقيقة ، أو اتفاقهما فيها . ومع هذه الدّقة والموضوعيّة ، كان من الطبيعي أن ينتقد العلاء جالينوس في الفصل الثاني من مقالة الرازيانج بعبارة نصها : لا بد وأن يكون الرازيانج قريبا من الاعتدال ، فقول جالينوس إنه شديد الحرارة . . قول فيه مجازفة . وهو لا يقتصر في نقده الموضوعي على ما قرّره جالينوس فحسب ، وإنما نراه يوجّه نظره النقدّى إلى تقريرات ديسقوريدس أيضا ، وذلك في الفصل السادس من مقالة الرّمّان حيث يقول العلاء : والمشهور أنّ ( الحامض ) من الرّمّان أشدّ إدرارا ، وبذلك قال ديسقوريدس ، وأنا أتوقّف في ذلك ، وأظنّ أنّ إدرار ( الحلو ) أكثر . . ونلاحظ هنا ، ذلك الأسلوب الراقي في النقد والمعارضة ، بما يوجبه التقدير