تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشامل في الصناعة الطبية — صفحة 7

مساهمون:

ص٧
ها هي خطوة أخرى ، نقطعها في مسيرة تحقيق ونشر هذه الموسوعة العلمية الهائلة . وتلك الخطوة الثانية عشرة تصل بنا ، بالكاد ، إلى الكتاب التاسع من الجزء الثاني من الفن الثالث من كتاب الشامل في الصناعة الطبية . . لتجمع في جزء واحد ، كتابي : الدال والذال . لا يزال أمامنا ، إذن ، شوط طويل حتى نصل نهاية الرحلة . . . غير أن ما يطمئننا ، هو أننا قطعنا أيضا شوطا طويلا حتى الآن . وما بين الشوطين ، نتأمّل في شخصية العلاء ( ابن النفيس ) وقدرته الفائقة على الإحاطة والتدوين ونستغرب هذا الجلد وذاك الصبر ، ونتعجّب من اعتداده الشديد بذاته ، وبمؤلّفاته التي نقل عنه أنه قال فيها : لو لم اعلم أن تصانيفى تبقى بعدى عشرة آلاف سنة ما وضعتها . وتدعونا العبارة الأخيرة إلى التساؤل : ما الذي يتبقّى ، حقا ، من الشامل بعد مرور ثمانية قرون من الزمن على مؤلّفه ؟ إنّ ما تؤكّده الأجزاء السابقة من الشامل هو أن العلاء ( ابن النفيس ) بقيت منه - من بعده - أشياء وأشياء . . فقد بقيت هذه المعرفة الواسعة ، والإحاطة بمعارف لا نكاد نجدها في مرجع أو مصدر آخر ، إذ استقصى الرجل - حتى الآن - الكلام عن مئات المفردات الطّبية والصيدلانية التي من شأنها أن توجّه أنظار المعاصرين إلى نواح مهجورة من وجوه الانتفاع بالمفردات العشبيّة والغذائيّة ، مما قد يفتح الباب أمام الصيادلة المعاصرين للاستفادة من هذا المعين المعرفى المتدفّق . وقد بقيت من العلاء ( ابن النفيس ) منهجيّاته العلميّة وطرائق بحثه الدقيقة الصارمة ، التي تكاد تخرجه من إطاره التاريخي ، لتلحق بمنهجيّات البحث العلمي المعاصر . . أو هي تصحّح - على الأرجح - أفكارنا عن المنهج العلمي لدى المسلمين في القرن السابع الهجري ، وتجعلهم أكثر معاصرة مما نعتقد . بل ولا نبالغ في القول : إنّ العقلانيّة الأصيلة ، والنزوع الاستقرائى والاستنباطى والمنطقيّة العالية ، وغير ذلك مما نراه في الشامل . . تفتقر إليه بحوث كثيرة معاصرة ! وبقيت لنا من العلاء صورة لافتة ، لما يجب أن يكون عليه العالم : المخلص لعلمه ، الملتزم بمنهجه ، الواثق في لا نهائيّة المعرفة . . حتى أنه في بعض المواضع يشير إلى أنه استغلق عليه هذا الأمر أو ذاك ، فإن فتح اللّه عليه به : فلسوف يذكره في كتاب تال . . كتاب كان يطمح أن يكتبه ، بعد الشامل ! غير أن الإعجاب بالعلاء ( ابن النفيس ) لا ينبغي أن يصل بنا إلى حدّ التعمية وصرف النظر عما وقع فيه من أخطاء وهنات . . خاصة أنه يدعونا ، بنفسه لإعمال النظر النقدى في النصوص ،