إنّ الدّبس قد يتّخذ من التّمر والرطب ، وقد يتّخذ من العنب . والمتّخذ من الرطب ، هو ما يسيل من الرطب إذا جمع . وأمّا المتّخذ من التّمر فمتّخذ بأن يلقى التّمر الحديث الجيّد ، في ماء شديد الغليان ، ولا يزال « 1 » يغلى ويضرب حتى يتهرّأ « 2 » ، ثم يعتصر ويصفّى ، ويجعل في الشمس مدّة .
وأمّا « 3 » المتّخذ من العنب ، فيتّخذ « 4 » بأن يعتصر العنب ، وتطبخ عصارته . وهذا الطبخ تارة يكون خفيفا ، فيكون من ذلك الدّبس السائل ، وقد يكون قويّا فيكون من ذلك الدّبس القوىّ الشديد ؛ وقد يكون متوسّطا ، فيكون من ذلك الدّبس الذي يسمّى بالمرمّل .
ولما كان اتخاذ الدّبس كما قلناه ، فلا محالة أنه يكون ألطف جوهرا ، وأقلّ أرضيّة مما « 5 » يتّخذ منه . لأنّ ما ينفصل في العصارة أو في الطبخ ، من كل شئ يعتصر أو يطبخ ، من الأجزاء الأرضيّة ، ما هو فيها ألطف ، وأرقّ قواما . فلذلك لا بد وأن يكون جوهر الدّبس ألطف من جوهر التّمر المتّخذ منه ، ولا بد وأن يكون في طبيعته ، قريبا من طبيعة ذلك التّمر .
فلذلك الدّبس المتّخذ من الرطب أو التمر ، أشدّ حرارة ويبوسة من المتّخذ من العنب لكنّ المتخذ من العنب أكثر قبولا للغليان والتحمّض « 6 » ، خاصة الذي لم يشدّد طبخه . وذلك ، لأنّ هذا لا بد وأن يكون - بعد - فيه مائيّة زائدة على ما تستحقّه حرارة العنب ؛ ولذلك هو سائل بخلاف العنب . وإذا كان كذلك ، كان - بعد - مستعدّا « 7 » للغليان . فلذلك هو يفسد سريعا ويحمض ، وكذلك يحمض كثيرا في المعدة . ولا كذلك الذي « 8 » يشدّد طبخه ، فإنّ حموضته وفساده أقلّ .
ودبس التّمر يولّد دما حارّا ، حادّا ، عكرا . وذلك ، لأنّ الدّم المتولّد من التّمر كذلك . وأمّا دبس العنب فإنه قليل الحرارة ، ردىّ الخلط لأجل استعداده للحموضة والفساد ؛ ولكنه شديد
هامش
( 1 ) ه ، ن : ولا زال .
( 2 ) غ : يتهرى .
( 3 ) ن : انما .
( 4 ) ه ، ن : يتّخذ .
( 5 ) ه ، ن : ما .
( 6 ) غ : التحمص .
( 7 ) ه ، ن : مستعد .
( 8 ) + غ .