وبيّنّا أنّ هذا الغليان ، أكثرىّ الوجود لهذا العصير ونحوه . فلنبين الآن أنه كيف يحدث لهذا العصير المزاج الذي حدث له بالغليان ، حتى يصير له ذلك المزاج مزاجا أصليّا لما يحدث منه ، وهو الخمر فإنّ حرارة الغليان ، قد « 1 » بيّنّا أنها كحرارة الماء المسخّن . وما كان من الحرارات كذلك ، فإنه ليس بمزاج أصلىّ بل هو بصدد أن يفارق إذا فارق سببه . وذلك لأنه على خلاف الأمر الطبيعىّ لما هو عارض له .
وإذا كان كذلك ، فكيف يعود هذا المزاج ، ويصير مزاجا طبيعيّا للخمر ؟ أعنى أنه كيف يحدث للعصير ، حتى يستعد العصير لأجل الصورة الخمريّة ويصير خمرا ؟ فنقول :
إنّ هذا يمكن ، بأن يعرض لمائيّة العصير عند تسخّنها بالغليان ، أن تلطّف ويستحيل « 2 » كثير « 3 » منها هوائيّة ، وكذلك يعرض لشئ من أرضيّته أن يستحيل نارا . وذلك ، لأجل الحرارة الغليانيّة ، وحينئذ يصير ما يكون في تلك الهوائيّة والناريّة من الحرارة طبيعيّا لهما . ويحدث من تلك الهوائيّة والناريّة ، مع الأجزاء الأخرى ، مزاج يعدّ المادّة لقبول الصورة الخمريّة ؛ فلذلك يصير العصير - حينئذ - خمرا ، ويكون هذا الخمر مخالفا لمزاج العصير ، وعناصره مخالفة لعناصره .
أمّا ما كان في العصير من الأرضيّة ، فإنّ أكثره لا يبقى على حاله . وذلك لأنّ بعضه يستحيل نارا كما قلناه ، وبعضه يشتدّ تسخّنه بحرارة الغليان ، ويحرق فيصير مرّا ، بعد أن كان في العصير حلوا . وأمّا ما كان في العصير من المائيّة فإنّ كثيرا منه يلطّف ويصير هوائيّة . فلذلك تصير هذه العناصر مخالفة لما كانت أولا ، ويكون المزاج الحادث عنها - حينئذ - مخالفا للمزاج الذي كان لها أولا حين كان العصير على طبيعته .
وإذ « 4 » العصير - قبل أن يصير خمرا - تحدث « 5 » فيه هوائيّة لم تكن ، وناريّة لم تكن ، ثم يتحقّق « 6 » حينئذ المزاج الذي به يصير خمرا . فلا بد وأن تكون الناريّة والهوائيّة في الخمر ، أزيد منها في العصير . وأمّا الأرضيّة فتكون - لا محالة - أقلّ مما كانت في العصير ، لأجل استحالة بعض ما كان في العصير منها ناريّة .
هامش
( 1 ) ه ، ن : فإنا قد .
( 2 ) ه ، ن : تستحيل .
( 3 ) ه ، ن : كثيرا .
( 4 ) ن : وإذا .
( 5 ) غ : يحدث .
( 6 ) : . تتحقق .