ومع ذلك ، وبعد تقريره للحقيقة العلمية ؛ فإن العلّامة علاء الدين ( ابن النفيس ) كان ملتزما في سلوكه اليومى بالأحكام الشرعية ، وقد نقل عنه المؤرّخون أنه رفض تناول الخمر للتداوي من علّة مرضه الأخير ، وقال عبارته الشهيرة : لا ألقى اللّه وفي باطني شئ من الخمر . . ولا ننس هنا ، أن العلاء كان فقيها شافعيّا ، بل قام بتدريس الفقه في المدرسة المسرورية ، وشرح كتاب التنبيه في فقه الشافعية ، وكان معروفا بين أهل زمانه بالفضل والصلاح . فهو إذن ، لم يتوسّل الواقعة العلمية للتعريض بالأحكام الشرعية ، وإنما حفظ لكل شئ حقه ، فكان في العلوم رجلا منهجيّا ، وفي السلوك عالما مسلما . ولم يقف عند الحقيقة العلمية ويجعلها نهائية ، فقد كان مؤمنا بأن المعرفة تتطوّر ، ولا آخر لها . . وقد رأينا كثيرا من نصوصه الدالة على ذلك ، في الشامل وفي غيره من مؤلّفات العلاء . ومن جهة ثانية ، كان يؤكّد أن المشهور والمتداول ، لا يكتسب بشهرته وتداوله حجّية ، بل الحجّة للبحث العلمي والاستقصاء ؛ ومن هنا قال عبارته البديعة : . . وربما أوجب استقصاؤنا النظر ، عدولا عن المشهور والمتعارف ؛ فمن قرع سمعه خلاف ما عهده ، فلا يبادرنا بالإنكار ، فذلك طيش ، فربّ شنع حقّ ، ومألوف محمود كاذب ؛ والحقّ حقّ في نفسه ، لا لقول الناس له . ( شرح معاني القانون ، الورقة الأولى )
وقد تعرّضنا - تفصيلا - للجانب المنطقي والعقلانى عند العلاء في الفصل الأخير من كتابنا الذي أعدنا فيه اكتشاف هذه العقلية العلمية البديعة ، فمن أراد المزيد فليراجعه هناك « 1 » . أما هنا ، فلنستكمل الكلام حول هذا الجزء من الشامل وما ظهر لنا من ملاحظات أثناء التحقيق ، تستحقّ الإشارة والإلماح .
وفي الفصل الرابع من مقالة الخمر ، سوف يورد العلاء فقرة حاسمة ، تؤكّد اكتشافه للدورة الدمويّة الرئويّة ، وهو الاكتشاف الذي نسبه العالم الغربى للطبيب الغربى : وليم هارفى ، ولا يزال كثير من المستشرقين يجادل حتى اليوم في سبق العلاء ( ابن النفيس ) إلى هذا الاكتشاف ، ويشكّكون في النّصّ الذي سجّل فيه اكتشافه ، وهو كتابه شرح تشريح القانون . . وها نحن بصدد نصّ آخر ، كتب ، ونسخت مخطوطاته ؛ قبل وليم هارفى بسنوات طوال ! يقول العلاء : الدم المتولّد من الشراب ( يقصد : الخمر ) هوائىّ شديد الشبه بجوهر الروح ( يقصد : الطاقة الحيويّة ) فلذلك يقلّ اغتذاء الرّئة منه ، ويرشح من فوهات العروق التي فيها ، ويخالط ما يكون فيها من الهواء المجتذب للتنفّس الذي قد تعدّل ، فيصير منها جوهرا يصلح لقبول الصورة الروحيّة ( يقصد :
هامش
( 1 ) د . يوسف زيدان : علاء الدين ( ابن النفيس ) القرشي ، إعادة اكتشاف
( المجمع الثقافي - أبو ظبي 1999 ) ص 155 : 172 .