الحارّة كالعسل . وخير الشراب ما طاب طعمه وعطرت رائحته وصفا قوامه أو اعتدل قوامه .
والعلامة الجيّدة للشّراب الجيّد الخالي من الغش أنه إن ترك المقدار القليل منه مدة طويلة لم يفسد ، وبقدر طول المدّة تعرف جودته والرقيق ألطف وأسرع إسكارا وتحلّلا ، والغليظ أبطأ إسكارا وتحلّلا وأدوم خمارا لكنه يسمن وخصوصا الحلو ، وليكن من شديده « 1 » على حذر ، ويختار للشبان والمحرورين الأبيض الممزوج قبل شربه بمدة الكثير الماء ، وللمشايخ الأصفر القويّ القليل المزج ، فإن أرادوا التغذية والسمن فالأحمر ، ودع الشيخ ، وما احتمل ، وجنبه الصّبيان ، وأعدله « 2 » في الشباب .
وإنما يستعمل الشراب عند انحدار الغذاء من المعدة .
وأما في خلال الأكل أو عقيبه فضارّ لتنفيذه الغذاء على فجاجته ، على أن المعتاد قد ينتفع باستعمال ما يعين على الهضم لا بمقدار ما يقوّى على التنفيذ ، وما دام السرور يتزايد ، واللون يحسن ، والبشرة تلين ، والجلد يربو ، والحركات نشيطة ، والذّهن سليما فلا تخف من إفراط ، فإن أخذ النعاس يغلب والغثيان يقوى ، والبدن والدماغ يثقل ، والذهن يتشوّش ، والحركة تسترخي ، فقد وجب الترك ، وحينئذ يجب القئ ، والقئ على القليل منه ردئ ، لأنه يغصب « 3 » من البدن ما ينفعه ، والشرب بالاقداح الصغار خير من الكبار ، والتبعيد بين الأقداح لينهضم الأول قبل ورود الثاني أفضل .
وينبغي أن يحفّ مجلس الشراب بالمنظر اللذيذ من الأزهار والمحبوبين من الناس والأراييح « 4 » اللذيذة والسماع المطرب ، وقد رفع كل ما يغم ويقبض النفس كالوسخ والصنان واللباس القذر والكمد ، وبعد غسل البدن والأطراف ولبس
هامش
( 1 ) ط : « تسديده » .
( 2 ) ط : « وعدله في الشبان » .
( 3 ) ط : « ينقص » .
( 4 ) الريح معروف ( ج ) أرواح ورياح . . . وجمع أراويح وأراييح .