المشرق « 1 » ، وتسريح الرأس واللحية وتقليم الأظفار . وليكن المجلس مشرفا فسيحا بقرب المياه الجارية ، ومع الظرفاء من الأصدقاء ، وذلك لأن الشراب يحرك قوى النفس ويثير كل الشهوات ، فإذا لم تجد كلّ قوّة مطلوبها تأذت وانقبضت ، فلا تقبل النفس على الشراب كلّ الإقبال « 2 » ولا يتصرّف فيه التصرّف الواجب فيقلّ نفعه وربما فسد ، فكان شرّه أكثر من نفعه .
ومنافع الشراب منها نفسيّة ومنها بدنيّة . أما النفسية فلا يمكن أن يساويه فيها غيره ، وذلك كالسّرور وبسط النفس وتقويتها وتفسيح أملها وتشجيعها ، وإزالة البخل والغمّ والفكر الفاسد وهو أنفع الأشياء للماليخوليا ، لتفريحه المضاد لإيحاش السوداء ، ويحسن الظن والخلق ، ويقوى ذهن قويّ الدماغ ، لأن دماغه لا ينفعل عن أبخرة الشراب المسكرة « 3 » ، بل عن حرّه اللطيف ، فيصفو ذهنه صفاء لا يصفو مثله بغيره ، فلذلك قويّ الدماغ لا يسكر بسرعة ، وبسرعة السكر وبطئه تعلم قوّة الدماغ وضعفه .
وأما البدنية فإنها وإن أمكن أن تستفاد بغيره من المعاجين والمركبات ، فذلك يعسر وذلك كتحسين اللون وإنارته وتبريقه وإشراقه ، وتقوية الحرارة الغريزية وإنعاشها وإنضاج الرطوبات وإزلاقها وتفتيح المجارى وإزالة سددها وتفتيح المسام وتقوية الهضم وتكثير الروح وتلطيفها وإنارتها ، وإثارة الدم وتنقيته وإنضاج البلغم وتلطيفه وإدرار الصفراء وترطيبها وتعديل مزاج السوداء وقمع عاديتها وإخراجها .
ونفعه يتعلق بالقوى الطبيعية والحيوانية أكثر من القوى النفسانيّة ، وإدامته تبلد الذهن وترخى العصب وتورث الرعشة والتشنج ، وكثيرا ما يموت السكران بالسكتة ، والصّرف « 4 » محرق للدّم مفسد لمزاج الدماغ والكبد ، والمصطار « 5 »
هامش
( 1 ) أشرق الثوب بالصبغ : بالغ في صبغه . « الوسيط » .
( 2 ) الأصل : « كل القبول » .
( 3 ) ط : « المسكر » .
( 4 ) الصرف : الخالص لم يشب بغيره . يقال : شراب صرف : غير ممزوج .
( 5 ) ط : « المسطار » . وفي القاموس ( صطر ) : المصطار : الخمر .