وقد نصحوا بعدم الاسراف في أكل اللحم ، ولا سيما قبل النوم ، ونصحوا بخفيف العشاء . فقال الشاعر يصف قوما « 1 » :
كأن القوم عشوا لحم ضأن * فهم نعجون قد مالت طلاهم « 2 »
كما قالوا : « عشاء الليل يورث العشا « 3 » » .
وكان العرب يراعون قواعد الصحة في الطعام . فلا يسرفون في الأكل ولا يدخلون الطعام على الطعام ، ولا يكثرون من أكل اللحم لماله من تأثير سئ على الصحة كما رأينا في أقوالهم ونصائحهم الكثيرة . كقول الحارث بن كلدة الطبيب العربي المعروف : « ان الدواء هو الأزم ، وأن الداء هو ادخال الطعام في اثر الطعام « 4 » » .
وعابوا البطنة وسرفها وحذروا من سرعة الكظة فقال الأعشى كما رأينا :
« والبطنة مما تسفه الأحلاما »
كما قال بعض الحكماء : « إذا كنت بطينا فعد نفسك في الزمنى « 5 » » .
آداب الطعام والضيافة :
وكان لعرب قبل الاسلام آداب وتقاليد يراعونها قبل الطعام وأثناءه وبعده . ومن هذه الآداب أن يغسلوا أيديهم قبل الطعام وبعده ، وإذا أكلوا بسطوا بساطا على الأرض ثم جلسوا صفين من حوله كما نجلس اليوم حول المائدة « 6 » . وعليهم أن يحسنوا الجلسة على السفرة فلا يتكئون بل يجلسون القرفصاء حولها . ولم يعرف العرب قبل الاسلام
هامش
( 1 ) الشاعر هو غيلان بن عقبة العدوي المعروف بذي الرمة . الشاعر البدوي وأحد عشاق العرب المعروفين .
وصاحبته « مية بنت طلبه بن قيس بن عاصم » ( الأغاني ج 16 - ص 109 ) .
( 2 ) نعجون : ثقل أكل لحم الضأن على قلوبهم . يريد أنهم اتخموا من كثرة أكلهم الدسم فمالت طلاهم ( أعناقهم ) .
( 3 ) عيون الأخبار ج 3 ص 272 - العشا : أن يسوء بصر الانسان أو هو القمي ، أي أن يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل .
( 4 ) البخلاء : للجاحظ ، ص 100 .
( 5 ) الزمانة : تعطيل القوى . والزمنى : ج زمين وهو المصاب بالزمانة أي ضعف القوى .
( 6 ) ابن القيم : زاد المعاد ج 4 - ص 308 .