يطعمهم ويسقيهم » .
ودعا عبد الملك بن مروان رجلا إلى الغذاء ، فقال : « ما فيّ فضل يا أمير المؤمنين .
قال : لا خير في الرجل يأكل حتى لا يكون فيه فضل » .
كذلك أدرك العرب أن الداء ينتج عن الافراط في الطعام ، لما يخلفه في الجسم من فضلات ترهق صحة الجسم ، وتمنع صفاء الذهن . فدعوا إلى التقنين حين قالوا : « فالداء كله من فضول الطعام ، فكيف لا ترغب في شيء يجمع لك صحة البدن ، وذكاء الذهن ، وصلاح الدين والدنيا ، والقرب من عيش الملائكة « 1 » » . واستعملوا في اللغة العربية الأزمة للدلالة على الحمية والجوع والامتناع عما يضر ، في حين عبروا عن الكثرة بالأزمات .
وهكذا نصح العرب القدماء بالحمية وبالتالي فضلوا الجوع على الامتلاء واعتبروا الأزم كما رأينا من أعظم الأدوية في شفاء الأمراض الامتلائية ، وهم في تلك الحكم والنصائح الطبية والقواعد الغذائية قد سبقوا ما جاء به الدكتور الكبير هيكيه ، وما قاله الدكتور باسكولت في بعض نظرياته التي ضمنها كتابه « التهاب المفاصل والافراط في التغذية » ، كما رأينا سابقا . وكذلك سبقوا الدكتور جاستون في آرائه والوصايا الصحية التي نوه بها في كتابه « صناعة إطالة الحياة » .
اذن لقد كان العرب سباقين إلى اكتشاف ما للمطعم والمشرب وحسن التصرف بهما من أثر في حفظ صحة الانسان . ودعوا قبل غيرهم إلى تناول الأغذية وفق قواعد صحية معينة كي تحمي الجسم من كثير من الأمراض التي غالبا ما يكون سببها سوء التغذية .
ولننتقل بعد هذه المقدمة لنقف وقفة تاريخية نستعرض فيها حياة العرب الاجتماعية فيما يتعلق بطعامهم وشرابهم . مركزين على تطور هذه الأطعمة خلال العصور العربية المختلفة ، آملين أن نعطي فكرة عما كانت عليه حياة العرب فيما يتعلق بتدبير أمور قوتهم وغذائهم ومعاشهم الذي به كان استمرار حياتهم .
أرجو من اللّه عزّ وجل أن أكون قد وفقت فيما قصدت اليه من خدمة الحضارة العربية ، وإحياء جوانب غامضة من تراثنا العربي .
سليمى محجوب
هامش
( 1 ) انظر العقد الفريد : ج 6 ، ص 304 .