مائدة المغيرة ، فجعل ينهش ويتعرّق ، فقال المغيرة : يا غلام ناوله سكّينا . قال الأعرابي :
كل أمرىء سكينه في رأسه « 1 » » .
وعابوا أيضا الرجل الأكول التّلقامة . فقد « رأى أبو الأسود الدؤلي رجلا يلقم لقما منكرا . فقال : كيف اسمك ؟ قال : لقمان ، قال صدق الذي سمّاك » .
وتقول العرب في الرجل الأكول : انه برم قرون .
والبرم : « الذي يأكل مع الجماعة ، ولا يجعل شيئا « 2 » » . والقرون : الذي يأكل تمرتين تمرتين ، ويأكل أصحابه تمرة ، تمرة . وقد نهى النبيّ ( ص ) عن القران . لأنه مناف لآداب الطعام ، وصفة من صفات البطين .
« وكان عبد اللّه بن الزبير إذا قدّم التمر إلى أصحابه يقول لهم : إياكم والقران فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى « 3 » عنه » .
وفعلا انه لمنظر شاذ قبيح أن يفتح المرء شدقيه ويقحم تمرتين أو عدة تمرات أو لقيمات في مضغ واحد . أو أن يسارع التلقام كقول الشاعر :
ما بين لقمته الأولى إذا انحدرت * وبين أخرى تليها قيد أظفور « 4 »
بل الأقبح من ذلك أن يستغل وجوده على مائدة غيره فيطعم بشراهة وبطنة من طعام غيره ، في حين يشح ويبخل ان هو أكل من طعامه . فقد سئل أحدهم : كم تأكل كل يوم ؟
قال : من مالي أم من مال غيري ؟ قيل له : من مالك . قال مكوّكا . قيل : فمن مال غيرك ؟ قال : اخبزوا واطرحوا » « 5 » .
والبطنة أصل كل علّة . فقد حضر أحدهم سفرة معاوية ومعه ولده ، فرآه معاوية يلقم لقما شديدا ، فلما كان بالعشي راح الأب فسأله معاوية : ما فعل ابنك التّلقامة ؟
قال : اعتل . قال معاوية : مثله لا يعدم العلة « 6 » » .
هامش
( 1 ) العقد الفريد : ج 6 ص 299 ، أي أن أسنانه التي في رأسه تغني عن السكين .
( 2 ) أي لا يخرج شيئا يشاركهم به ، وأصل استعماله في الميسر .
( 3 ) العقد الفريد : ج 6 ، ص 300 .
( 4 ) القيد : بالكسر بمعنى قدر .
( 5 ) المكوك : صاع ونصف . اخبزوا واطرحوا وفي رواية أخرى ( اخبز واطرح ) .
( 6 ) العقد الفريد : ج 6 ، ص 299 ، التلقامة : العظيم اللقم .