فقد المشجع ، فجمد الشعر وبردت حرارة العاطفة ، ومما قاله الشاعر الحسن بن أحمد بن جكينا « 1 » في هذا المعنى :
قد بان لي غدر الكرام وصدهم * عن أكثر الشعراء ليس بعار
لم يسأموا بذل النوال وإنما * جمد الندى لبرودة الأشعار
على أن السلطان صلاح الدين كان يتذوق الشعر ويشجع نظمه ، وكان يستحسن الأشعار الجيدة ، ويرددها في مجالسه ، حتى قيل إنه كثيرا ما ينشد قول أبي المنصور محمد بن الحسين بن أحمد بن إسحاق الحميري « 2 » :
وزارني طيف من أهوى على حذر * من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا
فكدت أوقظ من حولي به فرحا * وكاد يهتك ستر الحب بي شغفا
ثم انتبهت وآمالي تخيل لي * نيل المنى فاستحالت غبطتي أسفا « 3 »
وكان من شعراء صلاح الدين الذين عاصروه وخلدوا انتصاراته في الحروب الصليبية سبط بن التعاويذي ، والشاعر ابن سناء الملك ، والأربلي ، وابن الساعاتي ، وابن المنجم ، وابن قلاقس وغيرهم كثير ، ومنهم أيضا شاعر كان يعرف باسم « الحيص بيص « 4 » » وهو سعيد بن محمد بن سعد أبو الفوارس شهاب الدين الصيفي التميمي ، وقد مدح الخلفاء والوزراء ، وكان يلبس زي العرب ويتقلد سيفا ، فعمل فيه أبو القاسم « 5 » بن الفضل أبياتا يدعوه فيها لأن ينهج أيضا نهج الجاهليين في أطعمتهم ويتشبه بهم في مآكلهم .
فيقول :
كم تنادي وكم تطول طرطو * رك ما فيك شعرة من تميم
فكل الضبّ واقرض الحنظل * واشرب ما شئت من بول الظليم
هامش
( 1 ) هو من أهل الحرم الطاهري ، كان فاضلا ، رئيسا شاعرا ، توفى سنة 606 ه . وكان معاصرا لابن العديم .
( 2 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 197 .
( 3 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 56 .
( 4 ) له ديوان شعر ، وكانت وفاته ببغداد وسبب تسميته « بالحيص بيص » أنه رأى الناس في يوم معركة فقال : ما للناس في حيص بيص فغلب عليه هذا اللقب ومعنى الكلمتين ( الشدة والاختلاط ) .
( 5 ) هو أبو القاسم هبة اللّه بن الفضل بن القطان ، عبد العزيز بن محمد بن الحسين المعروف بابن القطان ، الشاعر المشهور البغدادي ت : سنة 588 ه . ( عن ابن خلكان ) .