كما عرفه العماد الاصفهاني كاتبه « لا يلبس الا ما يحل لبسه ، كالكتان والقطن والصوف ، وكان من جالسه لا يعلم أنه جالس سلطانا لتواضعه » .
ولم يكن صلاح الدين مسرفا ، وان كان جوادا كريما ، ولما انتقل إلى جوار ربه « لم يخلف في خزائنه من الذهب والفضة الا سبعة وأربعين درهما ناصرية ودينارا واحدا ذهبا صوريا . ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا مزرعة « 1 » » .
وقد قال في كرمه واهانته للمال الشاعر عبد المنعم الجلياني « 2 » من قصيدة طويلة :
ملك تقلّد سلك الملك منتظما * وقال للمال هذا منك بدل
ففرق المال جمعا للقلوب به * وحسبه فيهم ادراك ما سألوا
إن الملوك الذين امتد أمرهم * لم يخزنوا المال ، بل مهما حووا بذلوا
كذا السياسة ، فالأجناد لو علموا * بخل المليك ، وجاءت شدة خذلوا « 3 »
وقد كان صلاح الدين حاكما محبوبا . « فقد استمال قلوب الناس ، وبذل الأموال مما كان أسد الدين قد جمعه ، فمال الناس اليه . وأحبوه وقويت نفسه على القيام بهذا الأمر والثبات فيه « 4 » » .
وكان إلى جانب كرمه متواضعا . « فحين يزور دمشق ، كان يتوافد الفقراء إلى بيته ويجلس كل يوم وليلة لإرجاء الجود ، وإبداء العود ، وبث المكارم وكشف المظالم ، ورغم أن البلاد كانت تعيش في بحبوحة من العيش أيام الدولة الأيوبية ، ومع أن مواردها كانت كثيرة إلا أن صلاح الدين كان ضنينا بأموالها لا يتلفها ولا ينفق درهما في غير وجهه الصحيح ، ولم ينفق دينارا أو درهما إلا في سبيل الجهاد ، أو برا بيمين ، أو وفاء بوعد .
هامش
( 1 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 52 ، وانظر النوادر السلطانية لابن شداد : ص 21 .
( 2 ) عبد المنعم الجلياني : أبو الفضل ، طبيب ، شاعر ، أديب متصوف ، كان يقال له حكيم الزمان . وهو أندلسي الأصل انتقل إلى دمشق وأقام فيها . وكانت معيشته من الطب ، وكان صلاح الدين يحبه ويحترمه . له مديح كثير في السلطان صلاح الدين ، توفى سنة 602 ه .
( 3 ) كتاب الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة : ج 2 ، ص 415 .
( 4 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 18 .