تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
فعل أهل البصرة في عهد المتضد إذ أرسلوا وفدا كبيرا اليه يشكو ما نزل بمدينتهم من غلاء فاحش آملين أن يمد الخليفة لهم يد المساعدة « 1 » . ويرفع الشاعر الساسيّ « 2 » شكواه إلى الوزير الحسن بن سهل مصورا حاله وحال أبنائه وما يعانونه من فقر مدقع في حين قد عز الغذاء ، وان حصلوا على بعضه فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع وذلك بسبب غلاء الأسعار ، يقول الشاعر :
الناس أشباه كما قد مثّلوا * وفيهم خير وأنت خيرهم حاشا أمير المؤمنين انه * خليفة اللّه وأنت صهرهم فأحسنوا التدبير لما ناصحوا * وأمنوا العتب فطال نصحهم إليك أشكو صبية وأمهم * لا يشبعون وأبوهم مثلهم قد أكلوا اللحم ولم يشبعهم * وشربوا الماء فطال شربهم وامتذقوا المذق « 3 » فما أغناهم * والمضغ ان نالوه فهو عرسهم لا يعرفون الخبز الا باسمه * والتمر هيهات فليس عندهم وما رأوا فاكهة في سوقها * وما رأوها وهي تنحو نحوهم زعر الرؤوس قرعت هاماتهم * من البلا واستك منهم سمعهم كأنهم جناب أرض مجدب * محل فلو يعطون أوجى « 4 » سهمهم بل لو تراهم لعلمت أنهم * قوم قليل ريّهم وشبعهم
وقد أدت هذه الحياة المتناقضة التي تجمع بين رفاهية قوم وبؤس آخرين ، وغنى قوم وفقر الكثيرين أدت إلى ظهور حركة الزهد . وسببها أن قوما قد يئسوا من الغنى ورأوا أن نفوسهم تترفع عن التقرب من ذوي الجاه والمال فلجأوا إلى القناعة يروضون أنفسهم عليها . بينما انصرف قوم أخرون عن لذات الحياة الدنيا ورأوا أن النفس إذا ما طمحت تفتحت أمامها شهوات لاحد لها ، ولهذا أمسكوا بعنانها وأوقفوها عند حدها وقالوا مع القائل :
هامش
( 1 ) مروج الذهب : ج 4 - ص 149 . ( 2 ) هو أبو فرعون الساسي . من أفصح الناس وأجودهم شعرا وأكثرهم نادرة . ( 3 ) المذق : اللبن الممزوج بالماء . وامتذق : اللبن خلطه بالماء . ( 4 ) أوجى الرجل : جاء لحاجة فلم يصبها ، ويقال سأل حاجة فأوجى أي أخفق .
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب — صفحة 240 | عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم ) / سليمى محجوب - درية الخطيب