فعل أهل البصرة في عهد المتضد إذ أرسلوا وفدا كبيرا اليه يشكو ما نزل بمدينتهم من غلاء فاحش آملين أن يمد الخليفة لهم يد المساعدة « 1 » .
ويرفع الشاعر الساسيّ « 2 » شكواه إلى الوزير الحسن بن سهل مصورا حاله وحال أبنائه وما يعانونه من فقر مدقع في حين قد عز الغذاء ، وان حصلوا على بعضه فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع وذلك بسبب غلاء الأسعار ، يقول الشاعر :
الناس أشباه كما قد مثّلوا * وفيهم خير وأنت خيرهم
حاشا أمير المؤمنين انه * خليفة اللّه وأنت صهرهم
فأحسنوا التدبير لما ناصحوا * وأمنوا العتب فطال نصحهم
إليك أشكو صبية وأمهم * لا يشبعون وأبوهم مثلهم
قد أكلوا اللحم ولم يشبعهم * وشربوا الماء فطال شربهم
وامتذقوا المذق « 3 » فما أغناهم * والمضغ ان نالوه فهو عرسهم
لا يعرفون الخبز الا باسمه * والتمر هيهات فليس عندهم
وما رأوا فاكهة في سوقها * وما رأوها وهي تنحو نحوهم
زعر الرؤوس قرعت هاماتهم * من البلا واستك منهم سمعهم
كأنهم جناب أرض مجدب * محل فلو يعطون أوجى « 4 » سهمهم
بل لو تراهم لعلمت أنهم * قوم قليل ريّهم وشبعهم
وقد أدت هذه الحياة المتناقضة التي تجمع بين رفاهية قوم وبؤس آخرين ، وغنى قوم وفقر الكثيرين أدت إلى ظهور حركة الزهد . وسببها أن قوما قد يئسوا من الغنى ورأوا أن نفوسهم تترفع عن التقرب من ذوي الجاه والمال فلجأوا إلى القناعة يروضون أنفسهم عليها . بينما انصرف قوم أخرون عن لذات الحياة الدنيا ورأوا أن النفس إذا ما طمحت تفتحت أمامها شهوات لاحد لها ، ولهذا أمسكوا بعنانها وأوقفوها عند حدها وقالوا مع القائل :
هامش
( 1 ) مروج الذهب : ج 4 - ص 149 .
( 2 ) هو أبو فرعون الساسي . من أفصح الناس وأجودهم شعرا وأكثرهم نادرة .
( 3 ) المذق : اللبن الممزوج بالماء . وامتذق : اللبن خلطه بالماء .
( 4 ) أوجى الرجل : جاء لحاجة فلم يصبها ، ويقال سأل حاجة فأوجى أي أخفق .