ولم تكن مثل هذه الموائد لتنصب في بيوت الأغنياء وعليّة القوم فقط بل نجدها في بيوت الطبقة المتوسطة من أهل ذاك العصر على خوان فلان وفلان .
ويصف الجاحظ هذا الخوان فيقول : « وكنت أنا وأبو إسحاق ، إبراهيم بن سيار النظام وقطرب النحوي ، وأبو الفتح ، مؤدب منصور بن زياد على خوان فلان بن فلان ، والخوان من جزعة ، والغضار صيني ملمع أو خلنجية كيماكيّة « 1 » ، والألوان طيبة شهية ، وغذية قدية ، وكل رغيف في بياض الفضة كأنه البدر ، وكأنه مرآة مجلوة « 2 » » .
ويصف الشاعر أبو القاسم الواساني « 3 » مائدته وقد ضمت ألوانا عديدة من الأطعمة في وليمة أولمها في قرية حمرايا من أعمال دمشق ، والوصف وان كان فيه كثير من المبالغة الا أنه يعطينا فكرة عن ألوان الأطعمة التي كان الناس يأكلونها في ذلك الحين .
يقول الشاعر واصفا ما أكله القوم على هذه المائدة :
أكلوا لي من الجرادق ألفي * ن ببن تشتاقه العارضان « 4 »
أكلوا لي أضعافها غير مسطو * ر ومالوا إلى سميد الفران
أكلوا لي من الجداء ثلاثي * ن قريصا بالخلّ والزعفران
أكلوا لي تبالة تبلّت عق * لي بعشر من الدجاج السمان
أكلوا لي مضيرة ضاعفت ضر * ي بروس الجداء والعصبان
هامش
( 1 ) خلنجية كيماكية : هي آنية الطعام ، يعني أنها مصنوعة من الخلنج « وهو شجر تتخذ من خشبه الأواني » ، كما يقول صاحب اللسان ، وقد جاء ذلك في شعر عبيد اللّه بن قيس الرقيات في قصيدته الجيمية التي يمدح بها مصعب بن الزبير إذ يقول :
ملك يطعم الطعام ويسقي لبن اليخت في عساس الخلنج ( 1 ) « انظر الأغاني 17 - 167 ط - سنة 1323 ه » .
ومن هذا الخشب تنحت الموائد والقباب والمشارب ، وهو الخشب « المتنوع الألوان » وهذا أصل معناها .
وكيماكية : نسبة إلى « كيماك » وهي كما يقول ياقوت « ولاية واسعة في حدود الصين وصلها الترك » ، ( انظر معجم البلدان : ج 7 - ص 317 ) .
( 2 ) البخلاء : ص 61 .
( 3 ) هو أعجوبة الزمان ونادرته وفريد عصره وباقته وهو أحد الفضلاء المجيدين والهجّاء وكان في زمانه كابن الرومي في أوانه .
( 4 ) الجرادق : ج الجردق والجردقة الرغيف ( فارسية ) ، البن : السحابة دامت أياما .