فلما عاينها المأمون من بعد قال لمن حضر : قد جاءتكم القبطية بهدية الريف : الكامخ والصحناء « 1 » والصبر . فلما وضعت ذلك بين يديه ، إذا في كل طبق كيس من ذهب ، فاستحسن ذلك وأمرها بإعادته فقالت : لا واللّه لا أفعل . فتأمل الذهب فإذا به ضرب عام واحد كله . فقال : هذا واللّه أعجب . ربما يعجز بيت مالنا عن مثل ذلك . فقالت يا أمير المؤمنين : لا تكسر قلوبنا ولا تحتقر بنا فقال : ان لي في بعض ما صنعت لكفاية .
ولا نحب التثقيل عليك . فردي مالك بارك اللّه فيك . فأخذت قطعة من الأرض وقالت :
يا أمير المؤمنين : هذا - وأشارت إلى الذهب - من هذا وأشارت إلى الطينة التي تناولتها من الأرض ، ثم من عدلك يا أمير المؤمنين وعندي من هذا شيء كثير . فأمر به فأخذ منها ، وأقطعها عدة ضياع . وأعطاها من قريتها طاء النمل مائتي فدان بغير خراج . وانصرف متعجبا من كبر مروءتها وسعة حالها « 2 » » .
ترف البرامكة في الطعام والشراب :
ويحدثنا الأصمعي عن البرامكة وما كانوا عليه من غنى وسعة وترف ، وتفنن في أساليب الكساء والأثاث والطعام والشراب مما لم يعرفه عند خليفة أو ملك فيقول :
« ما رأيت أنجب من البرامكة رجالا وأطفالا ، ولا أشرف منهم أحوالا ، ما أعلم أني حضرت يحيى والفضل وجعفرا إلا انصرفت عنهم ولاخواني الحباء الجزيل :
طرب الفضل بن يحيى إلى مذاكرتي فأتاني رسوله ، وكان يوما باردا ذا صرّ وقرّ .
فقال : أجب الوزير . فمضيت معه . فلما دخلت عليه إذا هو في بهو له قد فرش بالسّمور « 3 » ، وهو في دست منه ، وعلى ظهره دواج « 4 » سمور أشهب مبطن بخز « 5 » ، وبين يديه كانون فضة ، فوق أثفية ذهب ، في وسطها تمثال أسد رابض ، في عينيه ياقوتتان تتوقدان ، وفوق الصينية إبريق زجاج فرعوني وكأس كأنها جوهرة محفورة تسع رطلا ، لا أظنها يفي بها مال كثير ، وهو على سرير من عاج ، وأنا عليّ ثياب
هامش
( 1 ) الصحناء : السمك الصغير المملوح .
( 2 ) خطط الشام : للمقريزي : ج 1 - ص 81 .
( 3 ) السمور : فراء ثمين من حيوان بري من فصيلة السموريات يشبه ابن عرس لونه أحمر مائل إلى السواد .
( 4 ) الدواج والدوج : ما صغر من الحوائج ويقصد به فراء أشهب صغير يوضع على الكتفين .
( 5 ) الخز : الحرير وهو مشتق من المخزة أي موضع الأرانب باعتبار نعومته كأوبارها .