من التجار والصناع الذين كانوا يقومون على مطالب الترف وأدواته في مدينة بغداد وغيرها من مدن العراق . أما التجار فكانت سفنهم وقوافيهم غادية رائحة في عرض البحار وطرقات البر تجلب الطرف النفيسة من جميع أنحاء العالم . وأما الصناع فكانوا يتفننون في صوغ التحف الثمينة وكانت رؤوس أموالهم تختلف قلة وكثرة وضيقا وسعة .
فمنهم من كان رأس ما له ثلاثة آلاف « 1 » دينار . ويقال إن ربح بعض التجار بلغ في صفقة واحدة مائة ألف دينار « 2 » ، وكان أكثرهم ثراء البّزارين والعطارين وتجار التحف النفيسة .
لقد تفننت هذه الطبقات في مساكنها ، فأجادوا تشييد القصور وتفننوا في فن العمارة وزخرفة هذه القصور بالنقوش المستوحاة من الطير والحيوان والأشجار والأزهار وتزيين داخلها بالتحف الثمينة والتماثيل والأواني المرصعة بالجواهر . كما بالغوا في الموائد وتنسيقها وألوان طعومها . فوصف العماني الشاعر ما أكل على مائدة محمد بن سليمان ابن علي فقال :
جاءوا بفرنيّ لهم ملبون * بات يسقى خالص السّمون
مصومع أكوم ذي غضون * قد حشيت بالسكر المطحون
ولونوا ما شئت من تلوين * من بارد الطعام والسّخين
ومن شراسيف ومن طردين * ومن هلام ومصيص جون
ومن أوز فائق سمين * ومن دجاج فت بالعجين
فالشحم في الظهور والبطون * فأتبعوا ذلك بالجوزين
وبالخبيص الرطب واللوزين * وفكّهوا بعنب وتين
والرطب الأزاذ والهيرون « 3 »
هامش
( 1 ) البخلاء : ص 10 .
( 2 ) ضحى الاسلام : ج 1 - ص 127 .
( 3 ) الفرني : خبز جوانبه مضمومة إلى وسطه يشوى ثم يروى سمنا ولبنا وسكرا - الشراسيف : أطراف الأضلاع المشرفة على البطن - الطردين : نوع من أطعمة الأكراد - الهلام : طعام من لحم عجل بجلده . أو مرق السكباج المبرد . المصوص والمصيص : لحم ينقع في الخل بعد نضجه . والجون المائل إلى السواد الأزاذ والهيرون :
نوعان من التمر .