ولما غدت أمي تمير بناتها * أغرت على العكم الذي كان يمنع
لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة * إلى صاع سمن فوقه يتريّع
وذبّلت أمثال الأثافي كأنها * رؤوس نقاد قطعت يوم تجمع
وقلت لبطني أبشر اليوم إنه * حمى أمّنا فما تحوز وترفع
فإن كنت مصفورا فهذا دواؤه * وان كنت غرثان فذا يوم تشبع « 1 »
من خلال هذه الأسماء وهذه الألوان من الأطعمة نجد أن اللون الفارسي كان أظهر لون في الحياة الاجتماعية في العصر العباسي . إذ تسربت إلى اللغة العربية كثير من الألفاظ الفارسية لا في الطعام والشراب فقط وانما في جميع مرافق الحياة .
حكى الصولي قال : « حدثنا علي بن الصباح قال : سمعت الحسن بن رجاء يقول :
ناظر فارسي عربيا بين يدي يحيى بن خالد البرمكي . فقال الفارسي :
ما احتجنا إليكم قط في عمل ولا تسمية ، ولقد ملكتم فما استغنيتم عنا في أعمالكم ولا لغتكم ، حتى أن طبيخكم وأشربتكم ودواوينكم وما فيها على ما سمينا ما غيرتموه .
كالاسفيداج والسكباج ، والدوغباج وأمثاله كثيرة وكالسنجبين والخلنجين والجلاب وأمثاله كثيرة . وكالروزنامج والاسكدار والفراونك وان كان روميا ومثله كثير . فسكت عنه العربي . فقال له يحيى بن خالد . قل له : اصبر لنا نملك كما ملكتم ألف سنة بعد ألف سنة كانت قبلها لا نحتاج إليكم ولا إلى شيء كان لكم « 2 » » .
ويقول الجاحظ : « ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم ، ولذلك يسمون البطيخ « الخزير » وكذا أهل الكوفة
هامش
( 1 ) العكم : النمط تجعله المرأة كالوعاء تدخر فيه متاعها .
لبكت : خلطت . اللبيكة : اقط ودقيق ، أو تمر ودقيق يخلط ويصب عليه السمن .
يتريع : يتميع وهنا بمعنى لا يستقر له وجه لكثرته . ذبلت الشيء : جمعت بعضه على بعض وعظمته مثل الكتلة .
نقاد : ج نقدة وهي الصغيرة من الغنم الذكر والأنثى من ذلك سواء .
مصفور : من به الصفر وهو داء يصفر منه الوجه وهو المعروف ( باليرقان ) .
غرثان : جائع .
( 2 ) أدب الكاتب للصولي ص 193 .