عنه جالينوس ولا أبصر فعله عند التجربة فزاد غيره فيه ، ودل بذلك دلالة بينة على أنّ العدول عما نص عليه جالينوس بزيادة أو نقصان إما وهم في النقل أو افتيات في الصناعة عليه . قال جالينوس : وإني قد ركنت مرة على جبن جاؤوني به على أنه حريف من رائحته فقط ، وكان كذلك فرفضت الاغتذاء به غير أن الخادم والغلمان تناولوا منه شيئاً ورفع الخازن منه بقية فأحرزه عنده حيناً ، ثم جاءني يوماً يؤامرني فيه أيعطيه ذا الحاجة ممن يغتذي به ومن أحبّ أكله من الخدم أم يحبسه ؟ فأمرته أن يحضر ما كان عنده منه فجاءني به وقطع بعضه فإذا هو صحيح لم يتآكل ولم يتولد فيه عود ولا عفونة ، واتفق في ذلك الوقت والجبن بين يدي أن قوماً جاؤوني بعليل وبه وجع المفاصل محمول في محفة لا يستطيع التقلب ولا يقدر على الحركة ، فلما رأيته أمرت بعض الخدم فجاءوني بساق خنزير ثم أمرتهم بطبخه فطبخ بماء طبخاً بليغاً وصفي ذلك المرق وجاؤوني به فأمرت بذلك الجبن فقطع منه قطع كثيرة وجعل في صلاية وصبوا عليه ذلك المرق وسحقوه سحقاً ناعماً حتى صار مثل المرهم ، ووضعته على مفاصل ذلك الرجل فانتفع به منفعة عجيبة ، وذلك أن جلده تشقق من تلقاء نفسه وسال منه صديد مائي وخف به وجعه ، فلما رأى ذلك المريض منفعته وقد فنى ما كان عندنا نحن من الجبن حصل مثل ذلك الجبن في عتقه وحرافته ودام على استعماله حتى برئ من علته ووصفه لعدة من المرضى ممن كان به وجع المفاصل فتعالجوا به منه مثل علاجه فبرؤوا برءاً تاماً ، فهذا ما جربناه نحن في فعل الجبن فوجدناه نافعاً وحمدنا فعله .
قال : وأمّا الجبن الحديث فقوّته مخالفة لقوّة العتيق وقد استعملته أنا في بعض القرى بأن وضعت منه على جرح بعضهم بأن سحقته ثم غلوته بورق البقلة التي يقال له حماض السواقي فبرئ جرح ذلك الرجل لأنه لم يكن خبيثاً ، وإنما جعلت ورق تلك البقلة لحضورها في ذلك الوقت ، وإن استعملت أنت بدلها ورق الكرم أو ورق السلق أو الدلب أجزأك . وقال في الأغذية : الجبن يكتسب من الإنفحة حدة وتذهب مائية اللبن عنه ، وإذا عتق كان حادًا جداً ولذلك يعطش وهو مولد للحصا ، وما لم يكن من الجبن عتيقاً فهو أقل رداءة من غيره ، وأفضل الجبن الحديث وخاصة المتخذ من لبن حامض وهو ألذ من غيره وأجود للمعدة وأقلها عسر انهضام وبطء نفوذ وليس رديء الخلط ، لكن غليظه وهذا أمر يذم من كل جبن . ديسقوريدوس في الثانية : يبردس الجبن الرطب إذا أكل بلا ملح كان مغذياً طيب الطعم جيداً للمعدة هين السلوك إلى الأعضاء ، ويزيد في اللحم ويلين البطن تلييناً معتدلًا ، وإذا طبخ وعصر وشوي عقل البطن ، وإذا ضمدت به العين نفع من أورامها الحارة
الجامع لمفردات الأدوية والأغذية — صفحة 216
مساهمون: ابن البيطار
ص٢١٦