عصره ، وإمام وقته ، أن يكون له كتب في الطب وباع طويل « 1 » ولم يكن في الأصل طبيبا ممتهنا وممارسا لهذه الصنعة .
فابن الجوزي يرى إصلاح البدن سببا لإصلاح الدين ، فمما قاله في ذلك : لقد عرفت أن أقواما دام بهم التقلل واليبس إلى أن تغير فكرهم ، وقوى الخلط السّوداي « 2 » عليهم ، فاستوحشوا من الناس ! ومنهم من اجتمعت له من المآكل الرّدية أخلاط « 3 » مجّة « 4 » ، فبقى اليوم واليومين والثلاثة لا يأكل وهو يظن ذلك من أمداد اللّطف وإذا به من سوء الهضم !
وفيهم من ترقّى به الخلط إلى رؤية الأشباح فيظنها الملائكة ! !
فاللّه اللّه في العلم ! واللّه اللّه في العقل ! فإن نور العقل لا ينبغي أن يتعرض لإطفائه ، والعلم لا يجوز الميل إلى تنقيصه ، فإذا حفظا حفظا وظائف الزمان ، ودفعا ما يؤذي ، وجلبا ما يصلح ، وصارت القوانين مستقيمة في المطعم والمشرب والمخالطة . . .
ويخاطب النفس بقوله : « ولا تتعرضي لمصالح البدن ، بل وفّريها عليه ، وناوليه إياها على قانون الصواب ، لا على مقتضى الهوى ، فإن إصلاح البدن سبب لإصلاح الدّين . . . » « 5 » .
وقد خالف مذهب إمامه - الإمام أحمد بن حنبل - من أجل التداوي والحكمة ، حيث قال : « . . . فإذا جعل الشرع الأمور منوطة بالأسباب كان إعراضي عن الأسباب دفعا
هامش
( 1 ) انظر التراث الطبي لابن الجوزي 33 .
( 2 ) اضطرابات مصحوبة بالحزن العميق المزمن والتشاؤم الدائم .
( 3 ) قال الأطباء الأقدمون : إن الجسم مركب من أربعة أخلاط بها قوامه ، ومنها صلاحه وفساده وهي :
الصفراء والدم والبلغم والسوداء .
( 4 ) ما ترفضه النفس ولا تقبلها عادة .
( 5 ) صيد الخاطر 97 .