ولم ينتصف القرن العشرين حتى غدا الفصد منسيا ، أغفلته كتب الطب ، فأصبح مذهبا مندثرا من مذاهب العلاج ، وقد تداوى الإنسان بالفصد خلال خمسة وعشرين قرنا ، عالج بهذه الطريقة
الأمراض الخمجية والانتانات والأمراض الامتلائية كارتفاع الضغط الشرياني واختلاطاته والأورام الحارة والسرطانية كما طبق الفصد في تعزيز مناعة الجسم وفي الوقاية من الأمراض .
يقول الزهراوي : « ينبغي أن تعلم أن الفصد إما أن يستعمل في حفظ الصحة فقط وإما أن يستعمل في الأمراض » « 82 »
ويقول ابن التلميذ في مقالته وفي باب العلل التي ينفع فيها الفصد : « وبالجملة فينبغي أن يفصد إما المتهيء للوقوع في المرض الامتلائي الحار أو الواقع فيه ، والفصد الأول آمن » .
فالمؤلفان يصران على دور الفصد في الوقاية من الأمراض ، وهذا الاستطباب هو الأشهر في تاريخ هذا العلاج وحيال شمولية الفصد واستطباباته المختلفة يقف طبيب اليوم مندهشا ، أي علاج هذا الذي يصلح لقتل الجراثيم ، وخفض الضغط الشرياني ، وعلاج الأورام الحارة والسرطانية وللوقاية من جميع الأمراض ودعم المناعة ، واليوم نعلم أن إبادة الجراثيم في الأمراض الخمجية يتم بواسطة طائفة من المواد المركبة والطبيعية ، تؤذي الاحياء الدقيقة فتفكك أوصالها وتعطل مفعولها ، وأن الأورام السرطانية تتضافر في علاجها جهود الجراحين ، والأخصائين بالأشعة والمواد المضادة للسرطان ، وأن المناعة تقوى بسلوك صحي ملائم ، وتكتسب باللقاحات والغلوبينات المناعية .
فكيف يتثنى للفصد إذا أن يقوم بجميع تلك الفعاليات منفردا ؟ ؛
والطبيب اليوم يساوره الشك حول القدرات الفعلية للفصد ، وهل حقا يؤثر في هذا العدد من الأمراض أم هي أخبار وأوهام تناقلتها الصحف الصفراء وتنازعتها الخرافات ثم ولت في غياهب الزمن كما ولت نظرية الأخلاط ، ونظرية العناصر الأربعة ؟
تساؤلات كثيرة لا بد للإجابة عليها من النظر فيها على ضوء معارفنا اليوم وعلى ضوء وسائل بحثنا وقد أغناها العصر بوسائل كشفت دقائق العناصر وخفايا المادة .
استعمل الفصد في حفظ الصحة ودعم المناعة وإبادة الأحياء الدقيقة ، ولا بد أن يكون العملان قد أنجزا بآلية واحدة . وما المناعة إلا القدرة على إبادة الجراثيم .
هامش
( 82 ) -spink ; P : 641