يجب أن تعلم أن السبب الأول البعيد لذلك أشكال سمائية والقريب أحوال أرضية ، وإذا أوجبت القوى الفعالة السمائية والقوى المنفعلة ترطيباً شديداً للهواء يرفع أبخرة وأدخنة إليه ، ويبثّها فيه ويعقبها بحرارة ضعيفة ، وصار الهواء بهذه المنزلة حمل على القلب ، فأفسد مزاج الروح الذي فيه وعفن ما يحويه من رطوبة ، وحدثت حرارة خارجة عن الطبع وانتشرت من سبيلها في البدن فكانت حمّى وبائية ، وعمت خلقاً من الناس لهم أيضاً في أنفسهم خاصية استعداد إذ كان الفاعل وحده إذا حصل ، ولم يكن المنفعل مستعداً لم يحدث فعل وانفعال ، واستعداد الأبدان لما نحن فيه من الانفعال ، أن تكون ممتلئة أخلاطاً رديئة ، فإن النقية لا تكاد تنفعل من ذلك والأبدان الضعيفة أيضاً منفعلة منه ، مثل التي أكثرت الجماع والأبدان الواسعة السبل الرطبة الكثيرة الاستحمام .
العلامات هذه الحمّى تكون هادية الظاهر مقربة الباطن في الأكثر مهلكة ، يستشعر منها حرافة ، واشتعال قوي ، ويكون معه عظم التنفس وعلوه وتواتره ، ويضيق كثيراً ، وينتن كثيراً ، وشدة عطش ، وجفوف لسان ، وقد تكون مع غثيان أو سقوط شهوة ، إن لم يقاومها بالأكل صبراً أهلكته ، ووجع فؤاد وعظم طحال ، وكرب شديد ، وتململ ، وربما كان سعال يابس ، وسقوط قوة وإنافة على الغشي واختلاط عقل وتمدُد ما دون الشراسيف ، ويكون به سهر واسترخاء بدن وفتور ، وربما عرض معها بثر أحمر وأشقر ، وربما كان سريع الظهور سريع البطون ، ويحدث قُلَّاع وقروح ويكون النبض في الأكثر متواتراً صغيراً ، ويشتدّ في الأكثر ليلًا وربما حدثت بهم حالة كالاستسقاء ، ويختلف المرار وغيره ويكون برازه ليناً سمجاً غير طبيعي .
وربما كان سوداوياً وأكثره يكون زبدياً منتناً وفيه شيء من جنس ما يذوب ، ويكون بوله مائياً مربًا سوداوياً وكثيراً ما يتقيأ السوداء ، وأما الصفراء فأكثر ذلك ويعرقون عرقاً منتناً .
وهذه الحمّى تبتدىء مع الأعراض المذكورة بقوتها ويؤول الأمر إلى الغشي ، وبرد الأطراف وليثرغس والتشنج والكزاز ، وقد يكون من هذه الحميات الوبائية ما لا يشعر فيها العليل ، ولا الجاس الغريب ، بكثير حرارة ولا بتغير النبض والماء ، كثير تغير ، ومع ذلك فإنها تكون مهلكة بسرعة تدهش الأطباء في أمرها ، وأكثر من تنتن نفسه من هؤلاء ومن الأولين يموت فإن العفونة تكون قد استحكمت في القلب .
علامات الوباء مما يدل على الوباء من الأشياء التي تجري مجرى الأسباب أن يكثر الرجوم والشهب في أوائل الخريف وفي أيلول فإنه منذر بالوباء الحادث إنذار السبب ، وإذا كثر الجنوب والصبا في الكانونين أياماً ، وكلما رأيت خثورة من الهواء وضبابية . وظننت مطراً ووجدته مغبراً يابساً لا يمطر فاعلم أن مزاج الشتاء فاسد .
القانون في الطب ( طبع بيروت ) — صفحة 93
مساهمون: أبو علي سينا
ص٩٣