فصل في الأدوية المنبتة للحم في الجراح والقراح
وقد عرفت خاصية الأدوية المنبة للحم ، وأنها كيف ينبغي أن تكون في مزاجها ، ويجب أن تستعمل الأدوية المنبتة للحم وقد نقي الموضع عن الأوساخ ، ونحوها ، وإن لم تكن قاعدة الجراحة إلا العظم ، نقي ذلك العظم ويبس في الغاية ، ولم يترك فيه كمودة أو فساد إلا قشِر ولا رطوبة إلا جُفّت ، وخصوصاً في الرأس ، فإن ملامسة العظم ورطوبته أحد أسباب منع ثبات اللحم عليه ، وإذا حكّ وخشن كان ما يصير عليه من المادة التي يتولّد منها اللحم أثبت .
واعلم أنه قد يكون دواء ينبت اللحم في بدن أو عضو ، ولا ينبت في الآخر وذلك لأنه ربما جفّف في بدن ، ولم يجفف في بدن آخر بحسب مزاجي البدنين وعلى ما علمت ، كربما أفرط الخلاء في بدن ولم يفرط في بدن ، ولم يجفف أصلًا إذ كان هذا الدواء ، يحتاج إلى تجفيف ما وإلى جلاء ما مقدرين بحسب البدن غير مطلقين ، والشيء المقدر يختلف تأثيره في أشياء ليست متفقة القدر في الانفعال .
وكل مجفف يبسه أقلّ من يبس بدن يعالج به ، فإنه أيضاً يقصر عن إنبات لحمه بل يكون أيبس منه ، ولذلك صار الكندر لا ينبت في الأبدان اليابسة التي جاوزت الاعتدال في اليبس . والبحرية هي التي تعلم بها ما يكون من الجفاف والوقوف ، أو من نبات اللحم على الاستمرار ، أو من التوسخ . فإن رأيت تجفيفاً لا يكاد ينبت معه اللحم فرطب يسيراً ، وإن وسخ فزد في الدواء اليابس ودع المستمر على قوته .
وربما كان أيضاً لبعض الأبدان مناسبة مع بعض الأدوية غير منطوق بعلّتها ، فلذلك يجب أن تخلط أدوية شتى ضعيفة وقوية . وأما اتخاذ المراهم والحاجة إليها فقد علمته ، ولا يجب أن تقتصر من الدواء على التجفيف والترطيب ، بل تراعي الكيفيتين الفاعلتين على حسب ما قدمنا ذكره ، ولا أيضاً على التجفيف والترطيب مع الفاعلتين إلا مع مراعاة مقايسة بين حال القرحة وحال مزاج البدن ، فإنه قد يكون البدن رطباً والقرحة يابسة ، وقد يكون البدن يابساً والقرحة رطبة ، وقد يكونان رطبين وقد يكونان يابسين ، فتستعمل في الأول ما هو أضعف مثل الكندر ودقيق الباقلاء ، ودفيق الشعير ونحوه .
وإن كان البدن يابساً والقرحة رطبة جداً ، فيحتاج إلى أدوية شديدة التجفيف بالقياس إلى الأدوية المنبتة للحم ، مثل الزراوند وأصل الجاوشير والزاج المحرق ، وفي الباقي يحتاج إلى ، المتوسطات كالإيرسا ودقيق الترمس .
وقد يتفق أن يكون بعض الأدوية فيه شيء من خصال تحتاج إليها الأدوية المنبتة للحم من تجفيف وجلاء ، ولكن يفرط فتصير مثلًا لتجفيفه الشديد حابساً للوضر ومانعاً للمادة ، ولفرط جلائه أكالًا ، فإذا خلط به غيره مما يضاده ، كسر منه وعدله فصار منبتاً ، مثل الزنجار ، فإنه إذا