فصل في اعتدال الإنسان كيف هو
قد أجمع الطبيعيون أن الإنسان هو أعدل الحيوان مزاجا وأعدل النبات وسائر الأجسام .
وصفة الإنسان المعتدل على الجملة التي تكون في مزاجه وبنية أعضائه وأفعاله الطبيعية والنفسانية على حال متوسطة بين التلزز والسفافه ، والسّمن والقضافة والإبطاء والسرعة والجبن والشجاعة ؛ ولا يكون قليل النوم ولا كثيره ، ويكون أكله وشربه بالقصد ، ويستمري طعامه في المعدة والكبد والعروق وسائر الأعضاء ، ويكون بين الأزعر « ب » والأزبّ « ج » وبين الأبيض والآدم « د » . ويكون شعره ما دام صبيا أميل إلى الشّقرة منه إلى السواد ، فإذا بلغ منتهى الشباب صار على ضد ذلك .
والشيء الذي يقال له معتدل من الإنسان المعتدل هو المتوسط من جميع أعضائه في مزاجه ، وتكون جلدة كفه الباطنة على معنى الاعتدال الأول الذي ذكرنا في الأتربة .
فصل الأطباء يسمون المزاج الغير معتدل مزاجا سيئا ، ويجري في كلامهم سوء المزاج على جملة البدن أو لعضو ذهب منه الألم وحينئذ يكون الجسد أو العضو أسوأ ما يكون حالا ، فأما ما دام ينجع « ه » ويحمى ويحس بالوجع فسوء المزاج غير مستول عليه ، ويسمون هذه الحال سوء مزاج مختلف ، والأول سوء مزاج مستولي .
هامش
( ب ) زعر الشعر والرّيش كفرح فهو زعر وأزعر قلّ وتفرّق ( محيط ) .
( ج ) الزّبب محركة الزّغب وفينا كثرة الشعر وفي الإبل كثرة شعر الوجه والمتون ( محيط ) .
( د ) الآدم من الناس الأسمر .
( ه ) نجع الشيء نجوعا نفع وظهر أثره ( وسيط ) .