فإنه إذا جاور المريض تضاعفت عليه البلية لجمعه الأمرين جميعا - أعني تنسمه الهواء الفاسد العفن ومجاورته فيه للمريض - وذلك لأجل أن الهواء يحتمل رائحة ذلك الفساد الذي يظهر من جسد العليل وينفصل عنه بالتنفس ، فيؤديه إلى الصحيح المجارو له بالتنسم ، وحمل الهواء للفساد من نفس العليل وإيصاله إياه إلى الصحيح المجاور إنما هو بكثرة نفس العليل ، فإذا استنشق ذلك النفس الفاسد المنفصل من نفس العليل من يجاور العليل من الأصحاء الذين يأوون معه ويقربون منه ، فسدت أمزجة أبدانهم وغلبت العفونة عليهم فأمرضتهم فشاركوا العليل في علته ، لا سيما إذا صادفت تلك المادة / الرديئة البدن في أول كرّة يدنو من العليل ، وبطبيعته منكرة لها ، رسخت في أعضائه الشريفة التي هي مواطن الحياة ومساكنها وقوام البدن ، أعني القلب والدماغ فإنهما سبب حياة الإنسان ، وذلك أن الهواء الفاسد إذا تنسمه الإنسان ، فأول عضو يحسّ بفساده القلب فيأخذ منه بالحظ المضاعف من الفساد ، ويشركه في ذلك الدماغ لاشتراكهما في القوى الحيوانية والنفسانية » .
قال محمد بن أحمد : والدليل على صحة ذلك أنّا نرى المنزل الذي فيه الجماعة ممن لم يحصب أو يجدر قطّ ، إذا حدث بواحد منهم إحدى هاتين العلتين ، لم تلبث تلك الجماعة إلا اليسير حتى تنالهم تلك العلة بعينها ، إما واحدا بعد واحد وإما لوقت واحد ، وليس السبب في ذلك غير تنسمهم ذلك الهواء الممازج لنفس الوصب ، وقد نجد كثيرا من العلل تعدي من دنا من العليل أو باشره أو واكله أو شاربه أو شرب من إنائه الذي يشرب فيه أو ضاجعه في
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء — صفحة 138
مساهمون: محمد بن أحمد التميمي المقدسي
ص١٣٨