لم يكن كذلك ، لما وجد لأمور العامّة قوام ، ولا لمصالحها انتظام .
وذلك أمر موجود بالمشاهدة عند اعتبار أحوال الناس ؛ فإنّا نرى ذوي السلامة في الأنفس ، والسلامة في الأبدان والجوارح والآلات ، أكثر من أولي الزمانة ، والعاهات ، كالصمّ ، والبكم ، والعمي ، والمقعدين ، بل لا يكاد يظهر لهؤلاء المعوّقين « 1 » في أصحاب السلامة قدر إذا عدّوا وأحصوا . وكذلك حكم الفقراء والمحاويج الذين ليس لهم قوام من المعاش مع المكتفين أقواتهم من خفاء عددهم فيهم .
وهكذا حكم الذين يسلمون من المرضى مع الذين يهلكون في قلّة عددهم عندهم ما لم يقع وباء شامل يكون من نوادر « 2 » أحداث العالم التي لا قياس عليها ، ولا تؤخذ « 3 » العبرة منها ؛ لأنّ ذلك شيء إنّما يعرض في الأزمنة / المتطاولة ، وبين الدهور المتراخية .
ومن أجل ذلك يجب أن تكون نفس الإنسان الذي لم يبلغ مبلغ الهرم والفناء - « و » تعرض له من العلل - مائلة إلى ما له الحكم الأغلب في أمور الدنيا ، وعليه « 4 » التأسيس والبنية ، فتكون هذه الفكرة من الفكر التي « 5 » يعارض بها الوساوس المؤذية والظنون السيّئة .
ومنها أن يفكّر - بعد - في أنّ اللّه - تعالى - خلق الإنسان خلقة لا يجوز أن يسلم معها من أدواء تعرض له في نفسه وبدنه ، وجعل بلطفه « 6 » ورأفته لكلّ داء دواء ، وفرّق بين تلك الأدوية في أصناف النبات ، وأجزاء أبدان الحيوانات ، وسائر ما كوّنه وأنشأه فوق هذه الأرض وتحتها ، وسخّر خلقا من عباده لتتبع
هامش
( 1 ) في أ : الموقين ، وفي ب : الموقنين . ولعل المثبت هو الصواب .
( 2 ) في أ : بوادر . والصواب من ب .
( 3 ) في ب : ولا توجد .
( 4 ) في ب : وغلبة . والصواب من أ .
( 5 ) في أ ، ب : الذي . والصواب ما أثبت .
( 6 ) في ب : تلطّفه . والصواب من أ .