فلذلك يكون فيه النوم أفضل .
وأمّا النوم في طرفي النهار - اللّذين هما الغداة والعشيّ - فغير محمود ، وذلك أنّ أوّل النهار / هو وقت طلوع الشمس ، وحركات الحيوان ، وتحرّك القوى في أجسادها ، وإقبال كلّ شيء من العالم ، فالنوم في ذلك الوقت خلاف ما في الطبائع ، وتنكيس الأمور الطبيعيّة عن جهاتها ، فإذا تعوّد الإنسان النوم في ذلك الوقت ، وهو نوم الصبحة أحدث فتورا واسترخاء في قوى النفس والبدن ، وأحال لون البدن إلى التغيّر .
وأوقات الإنسان - ملكا كان أو سوقة - الأفضل من أوقات ابتدائه في الأعمال وافتتاحه لها ، [ و ] هو أول النهار . وأمّا بالعشيّ وما يقرب من غروب الشمس ، فإنّ آخر النهار يتصل بالليل ، ويقرب وقت ذلك النوم من وقت النوم الطبيعيّ الذي هو نوم الليل ، فيفسده عليه ، وينغّصه إيّاه ، فيعود ذلك بالضرر عليه في بدنه .
وأمّا تدبير النوم من قبل حالات الإنسان ، فإنّه يجب أن يكون النوم بعقب تناول الطّعام ؛ لتقوى به الطبيعة على جودة هضمه ، فقد قلنا / فيما تقدّم : إنّ استمراء الغذاء على وجهه إنّما يكون مع النوم ؛ لأنّ الحرارة الغريزيّة في وقت النوم تغور إلى عمق البدن وتستبطنه ، فتتفرّغ - عند تعطّلها عن حركات اليقظة والتصرّف - لهضم الغذاء ، ولا يكون لها عمل سواه .
وكذلك يجب أن يكون النوم بعقب حركة المشي الكثير ، وحدوث التعب ، للاستراحة والاستجمام .
ومن الأحوال التي يحمد فيها النوم حال الغمّ والخوف ؛ لأنّهما يهيّجان في قلب الإنسان حرارة غريبة مؤذية ، والنوم يقلّل من تلك الحرارة ، ويمنع من الفكر التي هي أقوى موادّها ، وأزيد ما فيها .
وأمّا مقدار وقت النوم من ساعات الليل والنهار ، فقد قلنا : إنّه لا يكاد يتهيّأ
مصالح الأبدان والأنفس — صفحة 443
مساهمون: أحمد بن سهل البلخي
ص٤٤٣