تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاوي في الطب — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
الراحة جيدة في نضج الأخلاط وفي استفراغها . قال حنين هاهنا : النوم يرطب البدن في جميع الأحوال ، وليس من شأنه أن يسخن أو يبرد في جميعها ، لكن يسخن في بعض الأوقات ، ويبرد في بعض ، ويسخنه في حال ، ويبرده في حال أخرى ، لأن الحرارة في أبدان الحيوان جنسان : أحدهما غريزي والآخر غريب ، فمتى صادف النوم في البطن أطعمة وفي العروق أخلاطا بلغمية نية وبالجملة باردة كيف كانت هضمها وأنضجها ، حتى يتولد منها دم جيد أسخن لذلك البدن الحرارة الغريزية فيه ، ومتى كانت في البدن حرارة غريبة نارية وحمى بسبب ورم في بعض أحشائه فأطال النوم وكان ذلك في ابتداء النوبة فإن البدن يسخن حينئذ بحرارة خارجة عن الطبع ، ويتزيد لذلك النوم فيزيد في الحمى ؛ ومتى نام الإنسان وليست في بدنه مادة الغذاء ، ولا في عروقه خلط يحتاج أن ينضج ، بل نام بعد النضج الكامل ، فإن حرارته الغريزية تقل . لي : هذا قول ضعيف ، وإنما يبرد البدن ، وتقل حرارته الغريزية إذا نام بعقب النضج ، لأن المادة بعقب التحلل ؛ وإن لم يكن كحاله في اليقظة فإنه على حال باق ، وخاصة في داخل البدن ، فحال النوم بعد النضج كحال نار لا تمد بالزيت ، فلذلك يكون كل ساعة أضعف . قال حنين : ومتى كان الأغلب على البدن الأخلاط التي من جنس المرار وكانت للطبيعة من فضل القوة ، ما يمكنها تمييزها واستفراغها بعد ذلك ، فإن الحرارة الغريبة عند ذلك تطفأ بالنوم ، ويرجع البدن إلى حاله الطبيعية ، ومتى لم يمكن للطبيعة من القوى في هذه الحال ما تقوى على تمييز هذه الأخلاط المرارية وإخراجها عن البدن ، فإن البدن لا يسخن من النوم ولا يبرد ، لكن يبقى بحاله . ومتى نام الإنسان وبه حمى مع عفونة أخلاط زائدة وكان في الطبيعة فضل قوة يمكنها معه في النوم نضج تلك الأخلاط حتى يتولد منه دم جيد ، فإن البدن يسخن حينئذ ويبرد معا في وقت نومه ، إلا أن سخونته تكون بالحرارة الغريزية ، ويبرد بالحرارة الغريبة فينمي الحرارة الغريزية وتذبل الحرارة الغريبة الخارجة عن الطبيعة ، وتذبلها وتطفئها . فأما السهر فيجفف البدن في جميع الأحوال ، ولا يسخن أو يبرد في جميعها ؛ فافهم باقي القسمة فيه من عكس أفعال النوم ، وذلك أن كل ما يقدر النوم على فعله في الأخلاط في كل واحد من الأبدان بحسب كيفية تلك الأخلاط وكميتها فالسهر يفعل فيه بضد ذلك . قال جالينوس : التعب واسترخاء القوة مما يعين على جلب النوم المستغرق ، ولذلك فإني أمنع الذين لا ينامون نوما غرقا من النوم وتغميض العين والاتكاء والاستراحة في وقت نومهم ، وربما ربطتهم رباطا بالغا يوجعهم ، حتى إذا استرخت قوتهم حللت الرباط ، وأخمدت السراج ، ورددت الأبواب ، وأمرت أن ينحى عنه كل حس وصوت البتة ، فإنهم ينامون نوما غرقا .