« والعلم الذي يطمئن إلى مذهب مقضي عليه بالوقوف والعزلة ، لأن إدماج المعلومات في مذهب يعد بمثابة تحجر علمي » .
وأيضا : « عندما تكون الواقعة التي تواجهنا متعارضة والنظرية السائدة ، يجب قبول الواقعة ونبذ النظرية حتى وإن أخذ بها الجميع نظرا لتأييد مشاهير العلماء لها » .
لقد أولى الرازي التجربة العلمية أهمية كبيرة ، واتخذها سبيله الرئيسي للوصول إلى الحقيقة العلمية .
إن المطّلع على آثار الرازي الطبية ، لا سيما كتابه الحاوي ، يرى بوضوح كيف استطاع هذا الطبيب العظيم ، في سعيه وراء الحقيقة السريرية ، بصبر المعلم ، ودأب صاحب الرسالة ، أن يرسي قواعد هذا العلم الذي هو رائده .
لقد طبق الرازي منذ أحد عشر قرنا مناهج في البحث العلمي ، قائمة حتى اليوم .
فقد أكد على أهمية استجواب المريض ، وأن « لا نمل مساءلته » ، وتسجيل نتائج الاستجواب في وثائق يرجع إليها ، وأن يكون الفحص السريري كاملا ، كما أولى أهمية للسوابق المرضية المباشرة ، والبعيدة والوراثية .
وقد بوب الحالات ، وأكد على التشخيص التفريقي ، شارحا عناصره في كل علة « 1 » . وطبق طريقة التشخيص بالعلاج ، كما نراها في عدة مواضع من كتاب القولنج .
كما عرف وطبق مناهج اختبار تأثير عقار ما ، بإعطائه إلى فريق من مرضاه وامساكه عن فريق آخر مصاب بنفس العلة ، ومراقبة النتائج « 2 » .
كما ضرب لنا مثلا فريدا في عصره ، في الأمانة العلمية ، إذ جمع في كتابه الحاوي ، آراء سلفه في جميع الأمراض ، ناسبا كل فكرة إلى قائلها ، مبديا بعد ذلك رأيه ، مرجحا ، أو ناقضا أو متحفظا ، متخذا تجربته السريرية دليلا ، متحررا إلى حد كبير من تأثير الأسماء والمذاهب .
هامش
( 1 ) انظر كتاب « ما الفارق » للرازي تحقيق الدكتور سلمان قطاية .
( 2 ) انظر المشرق 56 : ص 217 - 282 .