تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الطبيب — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
الحواس كذلك بما للنفس من ضياء العقل الكلي تقبل التأديب وتتصور ما يصوّر لها فيظهر نورها ونهارها ، وكلما زاد نورها [ استنارت ] « 64 » من العقل نورا تستضيء به وتفتش عن الفضائل والعلوم فيكون بذلك الانسان عالما أدبيا يتبع ويقتدى به . ومن علم بأن اللّه تعالى قد خصّه بجزء من ذلك وأقدره على أن ينفع به غيره فقد وهب له نعمة لا تفسد ولا تبيد ، وقد وجب عليه ألّا يفتر طرفة عين من شكر المنعم عليه وأن يتيح تلك النعمة لمن طلبها وينعم عليه بإخراجه و [ استعادته ] « 65 » من لجج ظلمات الجهل المميت إلى علو نور العلم المحيي فان من أدب نفسه فقد أكسبها حياة دائمة ، وإلى الله نبتهل في احياء نفوسنا باحسانه وله نشكر ابدا دائما . وإذا كان هذا الضرب الأول من تعليم العقل وتأديبه للطبع فقد ذكرنا منه فيما تقدم جملا مشوقة للاحداث إلى التعليم والتأديب وسائغة لهم إلى منافعهم في دنياهم مدة بقائهم ، وفي آخرتهم بعد موتهم ، فقد آن لنا أن نذكر الضرب الثاني من التعليم العقلي ، وهو : المعدل لمزاج البدن والحافظ عليه صحته ، ليكون بذلك هذا التعليم تاما والغرض الذي قصدنا نحوه في كتابنا هذا كاملا ، وأنا أذكر الممكن ذكره من هذه الجمل بطريق قريبة ومقاصد سهلة وبألفاظ مألوفة وعبارة معروفة ليقرب على محب الأدب والتعليم غرضه ، ويسهل عليه مطلبه وباللّه أثق وأستعين ، فأقول : ان التعليم الثاني الذي نصبه العقل ووضعه لتقويم الطبع وإصلاح الانسان هو ما عدّل جسمه وأكسبه صحة أو ما حفظ على الجسم صحته ، وهذا التعليم والعمل به هو المسمّى صناعة الطب ، وهي التي وهبها الباري للعقل ، فنصب العقل للعقلاء أصولها وعلّمهم استخراج فروعها بطريقتين هداهم بهما سبلها وهما : طريق القياس « 66 » ، وطريق التجربة « 67 » . فبهذين الطريقين جميعا مجموعين [ استخرج ] علماء صناعة الطب علمها ووصلوا إلى أعمالها . وإذا كان قد اتضح لك أيها المحب لتعلم صناعة الطب أصول طرق التعاليم التي نصبها العقل للعقلاء وانكشف لك منها جملا فأرجع بنا إلى بسط التعليم الثاني : وهو
هامش
( 64 ) وردت في الأصل ( استمارت ) والصحيح ما أثبتناه . ( 65 ) وردت في الأصل ( استعاد ) والصحيح ما أثبتناه . ( 66 ) طريقة ممارسة الطب بالقياس هي احدى ثلاثة طرق لهذه الغاية ، والطرق الثلاثة هي القياس والتجربة والحيلة ، ولجالينوس كتاب باسم ( فرق الطب ) خصصه لهذه الطرق الثلاثة . ويقصد بالقياس الوصول إلى تشخيص المرض اعتمادا على تاريخ المريض واعراضه وعلاماته فيكون علاجه ( قياسا ) على ذلك . ( 67 ) طريقة التجربة - اي ممارسة العلاج بالتجربة على الخطا والصواب حتى يستقيم عمل الطبيب الممارس .